جاء وقف إطلاق النار في غزة بعد نحو عامين من القصف المكثف والإبادة الجماعية، كخطوة إنسانية ترمي إلى تسهيل دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى المدنيين المحاصرين، واحتواء الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي أصابت أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت الحصار والمجاعة.
غير أن هذه الهدنة، رغم أهميتها الميدانية، لا تُعالج أصل الأزمة ولا جذورها التاريخية، إذ إن هذا الاتفاق ليس الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع. فقد سُبق باتفاق مماثل قبل أشهر، لكنه لم يصمد أكثر من ستين يومًا قبل أن يعاود الاحتلال خرقه عبر عمليات اغتيال وقصفٍ متجدد، منتهكًا سيادة دول عربية أخرى، وخاصةً بعد المحاولة الفاشلة التي سعى خلالها الاحتلال لتصفية عدد من قادة حركة حماس المشاركين في مفاوضات الدوحة.
وهذا ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن في الهدن ذاتها، بل في الطرف المعتدي الذي لا يلتزم بها. فالاحتلال الإسرائيلي، باعتباره المسؤول الأول عن تفجّر الأوضاع، هو من أسّس لجذور هذه الفوضى منذ قيام دولته عام 1948، وما رافق ذلك من تهجيرٍ قسري واستيطانٍ متسارعٍ ومصادرةٍ ممنهجةٍ للأراضي والحقوق الفلسطينية.
وعليه، ووفقًا لما يؤكده خبراء، فإن أي هدنة لا تُعالج جذور الصراع المتمثلة في استمرار الاحتلال، تبقى مجرد محطة مؤقتة في مسار أزمة مفتوحة.
إسرائيل بين مأزق الردع وتآكل الهيبة
داخل تل أبيب، كشفت الحرب عن مأزق استراتيجي عميق. فإسرائيل التي سعت إلى تحطيم قدرات المقاومة واستعادة الردع، وجدت نفسها أمام تآكلٍ غير مسبوق في صورتها أمام الداخل والخارج على حد سواء.
لم تنجح في تحقيق أهدافها العسكرية، ولم تستطع تأمين جبهتها الداخلية التي باتت مهددة بانقسامات حادة بين الحكومة ومعارضيها.
أما على الصعيد الدولي، فقد تراجعت صورتها الأخلاقية والسياسية إلى أدنى مستوياتها، مع تصاعد الإدانات الحقوقية التي وصفت ما جرى في غزة بأنه جرائم حرب موثقة.
هذا التراجع في الهيبة يمثل تحولًا استراتيجيًا طويل المدى يُضعف قدرتها على فرض شروطها ورؤيتها في أي تسوية مقبلة.
المقاومة الفلسطينية: تثبيت معادلة الردع المتبادل
في المقابل، برزت المقاومة الفلسطينية كفاعل سياسي وعسكري قادر على فرض معادلات جديدة رغم الفارق الكبير في القوة.
لقد نجحت في نقل المعركة من دفاعٍ عن النفس إلى ردعٍ متبادل، وأثبتت أن الاحتلال ليس مطلق السيطرة كما كان يُروّج، وأن جيشه يمكن أن يُهزم متى وُوجه بإعدادٍ واستعدادٍ حقيقيين.
ورغم الدمار الهائل، خرجت المقاومة من المعركة وقد راكمت رصيدًا سياسيًا وشعبيًا متناميًا، وشرعية عربية ودولية متزايدة، جعلت من غزة رمزًا للصمود ومختبرًا لمرحلة ما بعد الاحتلال التقليدي.
الدور الإقليمي: توازن حساس بين الضغط والوساطة
أظهرت التحركات الإقليمية، ولا سيما المصرية والقطرية، أن المنطقة تبحث عن توازن بين دعم الاستقرار ومنع انفجارٍ أوسع.
ومع ذلك، فإن ما جرى كشف أيضًا حدود التأثير العربي في ظل غياب موقف موحد.
وقد أصبح واضحًا أن أي تسوية قادمة لن تكون ممكنة دون إدماج الأطراف العربية المؤثرة، وكذلك الهيئات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لا بصفة وسطاء فحسب، بل كضامنين لمسار سياسي يعيد الاعتبار للحقوق الفلسطينية.
المجتمع الدولي: تآكل الخطاب الغربي التقليدي
على الصعيد الدولي، شكّل العدوان الأخير نقطة انعطاف في الرأي العام الغربي.
فصورُ الدمار في غزة وصرخاتُ الأطفال كسرت الرواية الإسرائيلية التقليدية عن “الحق في الدفاع عن النفس”، وفتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من الانتقادات في أوروبا والولايات المتحدة.
هذا التحول البطيء لكنه المتصاعد في الوعي الغربي يشكل مكسبًا استراتيجيًا للفلسطينيين على المدى البعيد، إذ يعيد طرح القضية من زاوية الحق الإنساني والعدالة الدولية، لا مجرد نزاعٍ جغرافي أو سياسي.
آفاق ما بعد الهدنة: معركة الوعي والسيادة
المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الصواريخ ولا بحجم الأنقاض، بل بقدرة الفلسطينيين على تحويل الصمود إلى مشروع وطني متجدد.
أما إسرائيل، فستحاول ترميم صورتها وإعادة بناء توازن الردع، لكنها تواجه اليوم خصمًا جديدًا: وعيًا فلسطينيًا وعربيًا أكثر نضجًا، يرى أن معركة التحرر لم تعد في الميدان وحده، بل في ميدان الوعي والوجدان والسياسة، وفي توظيف التكنولوجيا الحديثة لصياغة صفٍّ عربيٍّ موحدٍ يجمعه مشروع تحرري واحد.