عشق الخيانة والحنين الملتبس

هناك كُتّابٌ يولدون من رحم الأرض، فتراهم يمجّدونها حتى في ظلام لياليها، وهناك كُتّاب أخرون يخرجون من رحم الأرض نفسها، لكنّهم يقضون أعمارهم في البحث عن أقرب نافذة للهرب منها.

بوعلام صنصال هو من الفئة الثانية.

ذلك الرجل الذي ازداد في الجزائر، وتعلّم في مدارسها، وترقّى في إداراتها، وتسلق درجات المناصب العليا في مكاتبها السامية، ثم فجأة، وفي لحظة صفاء مشبوهة، اكتشف أنه فرنسي لأنه وُلد في ” الجزائر الفرنسية ” !

هكذا ببساطة، ومن دون خجل، من دون ارتباك، ومن دون حتى أن يمنحنا فرصة لابتلاع رشفات دهشتنا.

آه يا صنصال.. كيف يخون الإنسان ذاكرته؟

وكيف يعضّ اليد التي أطعمته وتركت في أصابعه رائحة خبز الشهداء.

أسئلة تتدافع في صدري، تصطدم ببعضها، ثم تعود إليّ مثل صدى جريح. يطل صنصال في مقابلاته بوجه شاحب مملوء بالكراهية، ويتحدث عن الجزائر كأنها غريبة عنه.

غريبة؟

يا للعار !

هذا البلد الذي سكب اطنانا من الدماء ليكون هو قادراً على المشي فوق ترابه من دون أن يركع لأي ضابط فرنسي.

هذا البلد الذي صنع له هوية، وحرره من الاستعباد وبوأه المكانة التي تليق بالأحرار.. كيف أصبح كل ذلك عبئاً عليه ؟

وكيف تحوّل الوطن الذي صنعه إلى مجرّد “خطأ تاريخي ” في عقله ؟

يقول إنه حرّ.

يقول إنه يكتب ما يشاء.

نحن قبلك ننشد الحرية، بل نمجدها، لكننا نتحفّظ على الذاكرة الانتقائية التي يصرّ عليها الصناصلة أمثالك، ينتقد الجزائر لأنها لم تُعامله كطفل مدلّل، لكنه يتعامى تماماً عن فرنسا التي لم تُعطه شيئاً يُذكر، سوى التصفيق المؤقت في قاعات باردة، مملوءة بالحاقدين والناقمين من الأقدام السوداء الذين ظلوا يتجرعون مرارة استقلال الجزائر.

هذا الصنصال وفي ذاك الوسط، يكابر بحمله حنيناً غريباً لفرنسا التي لم تعطه خبزا ولم تضع له وسادة ولا منحة ولا وظيفة، بينما يكنّ الكراهية للجزائر التي ارضعته الحليب واطعمته من جوع ودغدغدته برواتب لم يحلم بها ومكانة لم يتوقعها وحجما اكبر من حجمه.

هنا يخرج منّي ذلك التأوّه الحزين، يا صنصال، لماذا تكره الجزائر؟ هل لأنها تذكّرك بأنك لست فرنسياً مهما تشبثت بظل باريس؟ هل لأنها تكشف لك يومياً أن جذورك مغروزة في تراب غير التراب الذي تحلم به؟ أم لأنك ببساطة رجل خائف من أن يعترف لنفسه بأنه جزائري حتى النخاع، وأن كل هذا الضجيج مجرد محاولة للهرب من هوية ثقيلة عليك؟

يقول البعض إن الرجل يحب المغرب حباً لا يشبه أي حب،

ربما، لأن جذور والده تمتد هناك، لا مشكلة في ذلك، فحب المغرب ليس عيباً، العيب أن تفضل بلدا على بلد أخر عبر جلد وطنك الأول واتهامه بكل الشرور، العيب أن تتخذ من ذكرى الاستعمار مظلة لتبرير حبك لفرنسا التي شردت شعبا بأكمله، العيب أن تنظر إلى الجزائريين باستعلاء، وتقول عنهم كأنهم مجموعة من الغاضبين الذين لم يفهموا الحضارة الفرنسية.

الحضارة الفرنسية؟

يا رجل!

هذه الحضارة قتلت مليوناً ونصف المليون من أبناء جلدتك، سرقت أرضهم، ومحت لغتهم، ودنست تاريخهم، فمن أين يأتي هذا الامتنان؟

في النهاية ستعرف وأنت الآن في خريف العمر، بأنك كنت تطارد خيط دخان، لن تدركه مهما بلغت من الغرور،

وستعرف يوما أن الجزائر لم تكن بحاجة إليك، ولكنّك أنت رغم كراهيتك لها، كنت بحاجة إليها، وستظل بحاجة إلى وطن لن تجده مستقبلا، لأن فرنسا، وباختصار ليست وطنا لك..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *