لم تكن إيران في يوم من الأيام بعيدة عن دوامة القرارات الدولية، لكن لحظة خريف 2025 شكّلت ذروة التوتر. ففي الوقت الذي اعتقدت فيه طهران أنّ قرار مجلس الأمن 2231 قد حصّنها من عقوبات الماضي، جاء سقوط هذا القرار ليعيدها إلى المربع الأول، تحت طائلة الفصل السابع، وسط انهيار غير مسبوق لعملتها الوطنية، وعودة شبح العزلة الاقتصادية والدبلوماسية.
تعود البداية إلى عام 2006، حين دخل اسم إيران لأول مرة في قاعة مجلس الأمن كـ (تهديد للسلم والأمن الدوليين). القرار 1696 طالبها بوقف التخصيب، ثم توالت القرارات تباعاً: 1737 الذي فرض عقوبات نووية ومالية، 1747 الذي حظر صادرات السلاح، 1803 الذي شدّد الخناق على البنوك والشحنات، 1835 الذي كرّس الضغوط دون عقوبات إضافية، وصولاً إلى 1929 عام 2010، الذي كان الأشد قسوة، حيث فرض حظراً واسعاً على الأسلحة الثقيلة، وقيوداً على الحرس الثوري، وتفتيشاً بحرياً للبضائع الإيرانية. خلال تلك السنوات، تراجعت قيمة الريال الإيراني تدريجياً، واتسعت السوق السوداء، وبدأت ملامح اقتصاد محاصر تتشكل بوضوح.
لكن عام 2015 مثّل لحظة انفراج نادرة. حين وقّعت إيران اتفاقها النووي مع مجموعة (5+1)، وصدر القرار 2231 الذي ألغى العقوبات الأممية السابقة، استبشرت طهران خيراً. عاد النفط يتدفق إلى الأسواق، والشركات الأوروبية هرعت إلى توقيع عقود استثمارية، والدبلوماسية الإيرانية فتحت أبواباً لم تكن لتُفتح لولا الاتفاق. بدا وكأن إيران بدأت صفحة جديدة مع العالم، ولو بحذر، فيما عملت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مراقبة التزاماتها النووية. كان ذلك أقرب ما يكون إلى (شهر عسل قصير) مع الغرب.
غير أن الرياح لم تدم بما اشتهت السفن. ففي 2018 انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وأعاد العقوبات الأمريكية منفرداً، تاركاً أوروبا في حرج بالغ، عاجزة عن إنقاذ الاتفاق عبر آلية (إنستكس) التي لم تؤت ثمارها. هنا بدأ الريال الإيراني رحلة انهيار جديدة، والأسواق الداخلية عاشت موجة تضخم خانقة. ومع ذلك ظل القرار 2231 قائماً، يمنح إيران غطاءً دولياً، ولو شكلياً.
ثم جاءت 2025 لتطيح بكل شيء. الترويكا الأوروبية فعّلت آلية (سناب باك)، وأعلن مجلس الأمن عملياً انتهاء العمل بالقرار 2231، فعادت القرارات الستة السابقة للحياة بكل ما تحمله من عقوبات وضغوط. هكذا وجدت إيران نفسها مجدداً تحت البند السابع، لتدخل مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة. الريال الإيراني تهاوى إلى أكثر من مليون ريال للدولار في السوق الحرة، أي ما يزيد على 108,000 تومان، بينما بقي السعر الرسمي وهمياً عند 42,000 ريال. الفجوة بين الواقع والورق كانت كافية لتجسيد حجم الأزمة.
لم يكن المشهد السياسي أقل قتامة. إذ بدأ البرلمان الإيراني يتحدث عن تعديل العقيدة النووية، وعن إمكانية الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار، فيما أغلقت أبواب التفاوض مع أوروبا وأمريكا. لم يعد هناك مكان لطاولة فيينا ولا لوعود العودة إلى الاتفاق، بل تحولت الدبلوماسية إلى لغة تصعيد وتهديد. وجدت إسرائيل في هذا التطور ذريعة إضافية للتحرك، بينما انقسمت العواصم الغربية بين تشديد الخناق والدعوة إلى احتواء الأزمة.
هكذا، بين انهيار العملة وتفعيل البند السابع، عادت إيران إلى زمن العقوبات الثقيلة. ومن وضع كانت تراهن فيه على شرعية دولية عبر القرار 2231، أصبحت اليوم في مواجهة مع مجلس الأمن بكامله، ومع اقتصاد يترنح عند كل هزة. لم يعد السؤال عن مستقبل المفاوضات، بل عن شكل المواجهة المقبلة: هل تكون مواجهة اقتصادية خانقة، أم مواجهة عسكرية محدودة، أم انفجاراً أوسع يطال المنطقة كلها؟
إنها لحظة فارقة، لحظة تكشف أن السياسة الدولية لا تعرف الفراغ، وأن سقوط قرار واحد قادر على قلب معادلات اقتصادية وسياسية امتدت لعقد كامل. وبين البند السابع وهاوية العملة، تقف إيران على حافة طريقين: إما أن تعيد تعريف علاقتها بالعالم، أو تدفع المنطقة كلها إلى مرحلة أشد عتمة.