يا سادةَ السَّهر…

يا سادةَ السَّهر…
هل سمعتم يومًا عن رجلٍ فقد أولاده الثمانية؟
ثمانية يا جماعة! ليس واحدًا، ولا اثنين… ثمانية!
كلّما حمل واحدًا منهم، حمل معه أملاً صغيرًا بالحياة، ثم ودّعه إلى الحفرة الباردة.
تخيلوا قلبه… أترونه بقي فيه نبض بعد ذلك؟
أترون الدمع ما زال يجد طريقه إلى عينيه؟
أم جفّ النهرُ من فرط ما سال؟

ويمضي الزمن… وتتداول الأيامُ البشرَ كما تتداول الرياحُ الغبار، حتى إذا بالحارث – ذلك الأب المكلوم – يرى رجلًا عند طرف الوادي، يبكي بحرقةٍ على شاةٍ أكلها الذئب!
شاة واحدة…
والرجل كأنما فقد الدنيا كلها.

اقترب منه الحارث، وقف أمامه طويلًا، ثم قال بصوتٍ لم يعد يشبه أصوات الأحياء:

“خذ هذه الناقة… ودعِ البكاءَ لأهله.”

صمت الوادي…
وسكت الرجل، كأنّ الكلمة اخترقت صدره قبل أن تبلغ أذنيه.

تأملوا معي، يا رفاق الليل…
من أحقّ بالبكاء؟
أذلك الرجل الذي ضاعت شاته؟
أم الحارث الذي دفن أبناءه الثمانية بيديه؟

ألسنا أحيانًا مثل صاحب الشاة؟
تبكينا خسارةٌ صغيرة، تُرهقنا كلمة، تُحزننا نظرة…
وننسى أن في الحياة من ذاق من المرّ ما لو ذقناه، ما نطقنا بعدها بحرف!

وما أشبه ليلَنا اليوم بليلِ الحارث…
هناك، في غزة، آباءٌ فقدوا أبناءهم الثمانية، والعشرة، والعائلة بأكملها،
ثم وقفوا على الركام يقولون: الحمد لله الذي أكرمنا بالشهادة!
فهل بعد ذلك يُقال فينا إننا أصحاب شاةٍ أكلها الذئب؟

إن أصابك همّ، أو ضاقت عليك دنياك،
فتذكّر الحارث، وتذكّر أهل غزة،
وتذكّر كلمتهم التي تجاوزت الزمان والمكان:

“دع البكاءَ لأهله.”

فبعض الدموع لا تليق إلا بعظماء الألم،
وبعض الصبر لا يقدر عليه إلا من مرّ على الموت حيًّا… ثم عاد.

وسلامٌ على من علّمونا أن البكاءَ ليس ضعفًا،
بل وقارُ الموجوعين حين يصمتون…

⸻

✍ نصرالدين الحامدي النائلي
ركن “مع الساهرين”

اقرأ أيضا