حين يعرف الخصمُ تفاصيلك..

الاختراق الإسرائيلي لإيران /..

الحقيقة الغائبة !

كلما ورد خبر عن عملية اغتيال نوعية غامضة داخل إيران، كما يحدث في هذه المواجهة الأخيرة، أو كشف عن اختراق أمني جديد في منشأة حساسة، تتسارع التساؤلات في أذهان المراقبين والمهتمين، كيف يمكن لجهاز استخبارات اجنبي أن يتوغل إلى عمق دولة تعدّ من أكثر دول المنطقة تشددا في بنيتها الأمنية؟

هل يمتلك الموساد حقا – وهو المعني بمقالنا هذا – أن يمتلك هذه اليد الطويلة والقوة الفائقة والخارقة، أم أن هناك فراغا أو ثغرات أمنية فظيعة تسمح له بتحقيق هذه الإنجازات؟ وكيف يستهدف كبار الشخصيات والمراجع الإيرانية بهذه السهولة وفي وضح النهار، وكأن أرض إيران بأسرها لم تترك لهم مأوى آمنا؟

ومن أين تأتي هذه المعرفة الدقيقة التي يبدو أن الموساد يمتلكها عن كل زاوية من زوايا إيران، عن كل نخبة وعن كل مؤسّسة؟ هل هو تفوق استخباراتي محض، أم أن هشاشة استخباراتية في إيران بلغت هذا الحد من الهوان والتسيب، وأين هي إيران من هذه الصورة العملاقة المأخوذة عنها، وأنها دولة تسعى لأن تكون قوة نووية، وهي لا تستطيع رد أدنى الاختراقات التي ينفذها الموساد بهذه الفجاجة..

أسئلة محيرة حقا..

المؤكد في كل هذا، أن للتاريخ كلمة أخرى لم تُقل بعد، وأن أي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا سريعا إلى اكتشاف أمر لافت، وأن كثيرا من جوانب هذا اللغز لا يكمن في الحاضر وحده، بل في تاريخ طويل من العلاقات والتحولات السياسية التي ربطت إيران بالغرب، وبإسرائيل على وجه الخصوص، خلال عقود سابقة.

فعندما نعود إلى تلك الصفحات من التاريخ، يسقط جانب كبير من العجب، وتبدأ بعض الطلاسم التي تحير المراقبين اليوم في الانكشاف شيئا فشيئا.

فإسرائيل لم تكتشف إيران من بعيد، بل عرفتها بعمق وعن قرب في مرحلة كان فيها البلدان يقفان في خندق سياسي واحد على غير ما هو عليه الحال اليوم.

في خمسينيات القرن الماضي، لم تكن إيران مجرد دولة عادية في الشرق الأوسط، بل كانت ركنا أساسيا في معادلة دولية معقدة في موقعها الجغرافي وفي ثروتها النفطية، وفي قربها من الاتحاد السوفييتي سابقا، جعلت منها حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة في ذروة الحرب الباردة.

في تلك المرحلة، أعادت واشنطن ترتيب المشهد السياسي في طهران بعد الإطاحة بحكومة محمد مصدق، لترسخ حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وتحول إيران إلى قاعدة متقدمة لمصالحها في المنطقة.

وفي السياق ذاته، كانت إسرائيل تبحث عن حلفاء غير عرب في محيط إقليمي معاد، فوجدت في إيران الشاه شريكا مثاليا. وهنا نشأت شبكة تعاون أمني واستخباراتي لم يكن معلنا بالكامل، لكنها كانت عميقة وفعالة.

في العام 1957، تأسس جهاز الاستخبارات الإيراني الشهير باسم السافاك SAVAK ( منظمة الاستخبارات والأمن الوطني )، بدعم مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وبمساهمة فعالة جدا من جهاز الموساد الإسرائيلي.

لم يكن الهدف فقط إنشاء جهاز أمني، بل بناء منظومة متكاملة لمراقبة المجتمع والدولة. ومع مرور السنوات، تحول السافاك إلى أحد أكثر الأجهزة نفوذا في المنطقة برمتها، وصار له صيت كبير، وامتلك شبكة واسعة من المعلومات عن النخب السياسية والدينية، وعن بنية المجتمع الإيراني والاقليمي في أدق تفاصيله.

كان الموساد، إلى جانب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الس أي ايه والمخابرات السوفياتية كاجيبي والاستخبارات البريطانية أم أي سيكس، من أبرز الأجهزة نشاطا داخل إيران. ويكشف كتاب حديث ليعقوب نيمروزي، مؤسس شبكة الموساد في إيران، أن الجهاز عمل مبكرا على تجنيد أفراد لجمع المعلومات وتنفيذ العمليات. ولم يقتصر دوره على تبادل المعلومات مع طهران حول الدول العربية والمنطقة، بل امتد إلى تزويد جهاز السافاك بمعلومات عن معارضي نظام الشاه، والمساهمة في تدريبه وتعزيز قدراته الأمنية. ومع تعميق هذا التعاون، تعزز الحزام الأمني الأميركي في مواجهة الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط آنذاك، لتصبح إسرائيل، بعد الولايات المتحدة، ثاني أبرز شريك استراتيجي لإيران.

في تلك المرحلة، لم تكن المعرفة الاستخباراتية مجرد بيانات، بل كانت فهما عميقا لطبيعة الدولة، كيف تُدار، كيف تتفاعل، وأين تكمن نقاط قوتها وضعفها.

وهنا تحديدا، تشكلت لدى إسرائيل خبرة نادرة بمعرفة إيران من الداخل، لا من وراء الحدود، وبأدق التفاصيل.

وعندما اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979، تغير كل شيء، سقط نظام الشاه، وتم حل جهاز السافاك، وبدا وكأن العلاقات مع إسرائيل قد انقطعت بشكل كامل.

تحولت إيران من حليف استراتيجي للغرب إلى أحد أبرز خصومه ( ظاهريا ) على الأقل، ودخلت كما بدا في صراع مفتوح مع إسرائيل، سياسيا وأيديولوجيا وأمنيا.

لكن ما لم يتغير بسهولة هو الذاكرة، وهذا هو بيت القصيد لمقالنا هذا، فالأجهزة الاستخباراتية لا تبدأ من الصفر، بل تبني عملها دائما على تراكم طويل من الخبرات والمعارف السابقة. وما جُمع خلال عقود من التعاون لم يتلاش بين ليلة وضحاها، بل بقي كامنا، قابلا للاستثمار في أي لحظة من فصول الصراع.

في العقود التي تلت الثورة، بدا أن الصراع بين إيران وإسرائيل يتحرك على مستويين، ظاهري تُعلن فيه المواقف السياسية، وخفي تُدار فيه العمليات الاستخباراتية.

وفي هذا المستوى الخفي، ظهرت سلسلة من الأحداث التي عززت فكرة الاختراق، اغتيالات، عمليات تخريب، وتسريبات معلومات حساسة. ولعل ما أُعلن عنه عام 2018 بشأن الاستيلاء على أرشيف نووي إيراني في طهران، شكل مثالا لافتا على طبيعة هذه الحرب الصامتة. فبحسب الرواية الإسرائيلية وتقارير إعلامية غربية، تمكنت عملية سرية من نقل آلاف الوثائق المرتبطة ببرنامج نووي إيراني إلى خارج البلاد، في واحدة من أكثر العمليات جرأة في تاريخ العمل الاستخباراتي الحديث.

وبغض النظر عن الجدل الذي رافق هذه العملية، فإنها أعادت طرح السؤال نفسه، كيف يمكن الوصول إلى هذا المستوى من العمق؟

الإجابة ليست في عامل واحد، بل في عدة عوامل شكلت كلها تداخلا لعدة عناصر، في مقدمها إرث استخباراتي طويل، ميزته صراعات داخلية معقدة، امتزجت مع نشاط المعارضين في الداخل كما في الخارج، والخبرة الاستخباراتية الطويلة. كل هذه العوامل منحت اسرائيل قدرة استثنائية على الاختراق.

تلك المعرفة، التي تشكلت في سنوات التحالف، لم تختفِ مع سقوط الشاه، بل بقيت حاضرة في خلفية المشهد، تُستدعى كلما اشتد الصراع.

وفي الشرق الأوسط، حيث لا يموت التاريخ بسهولة، قد يتحول الماضي أحيانا إلى أحد أكثر الأسلحة فتكا وفاعلية…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *