الدين الحق بين التراث المتوارث واستغلال الأنظمة الحاكمة
بعض التراث الديني الذي يُسمى عبثًا “فقهًا إسلاميًا” هو في الحقيقة نتاج عصور حكم العضوض والفتن الكبرى وما تلاه من عصور الانحطاط، ولم يكن في أي وقت امتدادًا لرسالة الإسلام السمحاء، بل كان انقلابًا على جوهرها. ففي فجر الإسلام، كان الدين انتصارًا للحق وصوتًا قويًا في وجه الظلم والطغيان، بينما تحول في العصور اللاحقة إلى أداة لترويض الشعوب، تُعلِّمهم كيف يركعون أمام حكام مستبدين ويقبلون أيديهم “الشريفة”.
بدأت هذه التحولات الكبرى في دور الفقه الإسلامي بعد الفتنة التي نشأت عقب وفاة الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما (40 هـ / 661 م). ومع بداية حكم الدولة الأموية (41 هـ / 661 م – 132 هـ / 750 م)، أصبح الفقه أداة تُستخدم من قبل السلطة السياسية لتكريس حكمها. ثم استمر هذا التوجه في العهد العباسي (132 هـ / 750 م – 656 هـ / 1258 م)، حيث توسع استخدام الفقه ليخدم الأجندات السياسية للدولة، ليأخذ بذلك دورًا بارزًا في تشكيل السلطة وتوجيهها.
لقد أدركت الأنظمة عبر أكثر من خمسة عشر قرنًا أن الدين في صورته الأصلية يشكل تهديدًا لعروشها، فاستعانت بجيش من المنافقين والفقهاء المأجورين لتحريفه وتطويعه بما يلائم نزواتهم وأهوائهم، بل جعلوه سلعة تُباع في بلاط السلاطين.
هؤلاء الفقهاء أقنعوا الناس بأن “الصبر على الظلم عبادة”، وأن “المطالبة بالحقوق فتنة”، وكأن الدين الذي جاء ليحقق العدالة ويخرج الناس من ضلام الجاهلية إلى نور الإسلام، تحول إلى وسيلة لتبرير الظلم. فباتت المساجد أبراجًا عاجية، ينشغل فيها الشيوخ بنقاشات عقيمة حول مسائل لا تقدم ولا تؤخر.
هذا التدين الممسوخ هو سبب تخلفنا وتفكك أسرنا ومجتمعاتنا، وسوط مسلط على رقاب مبدعينا ومفكرينا ومثقفينا؟
إن كان لهذه الأمة أن تنهض، يجب عليها أولًا أن تتحرر من هذا الدين المزيف، وأن تعود إلى دينها الحق، الذي لم يكن يومًا خنوعًا، بل كان دائمًا صرخة في وجه الطغيان. هذا الدين هو نفسه الذي أنجب أعظم الحضارات، حيث أضاء العالم الإسلامي بمفكرين وعلماء فاقوا عصرهم، مثل ابن خلدون الذي أسس علم الاجتماع، والخوارزمي الذي قام بتطوير الخوارزميات التي أصبحت أساسًا للتكنولوجيا الحديثة، وابن سينا الذي وضع أسس الطب الحديث وترك إرثًا علميًا استمر قرونًا. هؤلاء وغيرهم من العلماء كانوا ثمرة لدين يقدس العلم ويحفز على التفكير النقدي، وكان هذا الدين هو المحرك الأول لنهضة إسلامية رائعة ساهمت في تقدم البشرية.
لكن للأسف، مع مرور الزمن، تم تحريف هذا الدين الحق واستغلاله لخدمة الأنظمة الحاكمة، ليصبح أداة لإنتاج فكر متخلف ومشوه، يُبرر الخضوع والخنوع وينتج الإرهاب والعنف كما نراه في ظاهرة داعش وأخواتها. هؤلاء الذين يرفعون راية الدين ليغتالوا البراءة ويزرعوا الخراب، هم نتاج لفهم مشوه لا علاقة له بالإسلام الذي أرسى دعائم حضارة عظيمة. فإما أن تعود الأمة إلى إحياء هذا الدين الحق الذي صنع العظماء، أو تبقى أسيرة لفكر مريض ينتج فقط الخراب والدمار.
لم تكن الجزائر لتنتصر بعد 132 عامًا من القهر والاستعباد لولا أن روح الدين الحي كانت تنبض في عروقها. كان دينًا لا يُمارس في طقوس خاوية، بل كان زلزالًا قلب عرش الاستعمار، وأنجب رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
حين وطأت أقدام المستعمر الفرنسي أرض الجزائر، لم يكن هدفه مجرد الاحتلال العسكري، بل كان حربًا على هوية الأمة. حاول الاستعمار قطع الجزائري عن لغته ودينه وتاريخه ليصبح تابعًا لفرنسا. لكن جذوة الإسلام في النفوس لم تُطفأ. لم يكن الدين مجرد طقوس تُمارس في الزوايا، بل كان مدرسة تخرج أبطال التحرير، وكان نارًا تحرق أوهام المستعمر.
حين اشتدّت قبضة الاستعمار وبعد مرور قرن كامل من الهيمنة الفرنسية المطلقة علي الجزائر وشعبها نهضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس، معلنة: “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”. لم تكن الجمعية حركة دينية تقليدية، بل كانت ثورة فكرية قبل أن تتحول إلى ثورة مسلحة. أدركت أن المعركة ليست سلاحًا فقط، بل وعيًا أيضًا. وان الأمم لا تتحرر إلا إذا استعادت هويتها أولًا.
في المدارس التي أنشأتها الجمعية، لم يكن الطلاب يتعلمون القراءة والكتابة والعقيدة الصحيحة فقط، بل كانوا يعتنقون فكر المقاومة ويستعيدون إيمانهم بأن الجزائر ليست فرنسية. ومن هذه المدارس تخرجت طلائع المجاهدين الذين حملوا راية الكفاح المسلح في الفاتح نوفمبر من عام 1954. كان الدين هو المحرك، والشهادة هي الغاية، والجهاد هو الوسيلة التي طردت المستعمر رغم تفوقه العسكري.
كما كان الدين شعلة الثورة في الجزائر، كان كذلك في فلسطين. الشعب الفلسطيني واجه استعمارًا استيطانيًا صهيونيًا مدعومًا من القوى الكبرى، كما واجه الجزائريون استعمارًا استيطانيًا فرنسيًا مدعومًا من نفس القوى الاستعمارية. منذ ثورة البراق عام 1929، وحتى معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، لم يكن الدين مجرد عقيدة شخصية، بل كان درعًا يحمي الهوية، وسلاحًا يواجه التهويد، وعقيدةً تلهب صدور المجاهدين.
لم تكن المقاومة الفلسطينية لتصمد طوال هذه العقود لولا أن عقيدة الجهاد والتضحية كانت الحصن الأخير ضد مؤامرات التطبيع والخيانة.
إذا كانت الجزائر قد تحررت نتيجة تمسكها بأصالتها، وإذا كانت فلسطين لا تزال تقاوم على نفس النهج، فإن الطريق إلى التطور والازدهار لا يمر فقط عبر العودة إلى الدين الحق، بل بالتحرر من معوقات الفقه البالي الذي أصبح عائقًا أمام تقدمنا ووحدتنا. هذا الفقه الذي أصبح أداة للنفاق والتناحر بين المسلمين، وساهم في انتشار الفساد الاجتماعي والأخلاقي، وكان سببًا رئيسيًا في تنامي الإرهاب والصراعات الطائفية والمذهبية في أوطاننا العربية والاسلامية.
الإرهاب الداعشي، وما نتج عنه من تنظيمات متطرفة، كان وليد هذا الفقه المنحرف، الذي استغل تأويلات مغلوطة لبعض النصوص لتبرير العنف باسم الدين. هذا الفكر بات معول هدم في يد أعدائنا الذين يستخدمونه لتحقيق أهدافهم متى وأين يشاؤون.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة بعد معركة طوفان الأقصى في غزة أن المسلمين اليوم يعيشون تحت مظلتين متناقضتين: دين الحق، الذي تؤمن به غالبية المسلمين، وتجسّده المقاومة في لبنان واليمن وبعض الدول العربية والإسلامية التي وقفت بكل ما تملك في وجه العدوان والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني الأعزل، ودين آخر دخيل، اعتنقه دعاة التطبيع، فكانوا شركاء في الحصار وتشديد الخناق على غزة، بل بلغ بهم الانحطاط حدَّ إقامة الحفلات الماجنة بينما تُرتكب المجازر في حق الغزاويين العزل، ومنهم من فتح طرق الإمداد للعدو، فكسر بذلك الحصار الذي فرضه أبطال اليمن على الكيان الصهيوني. أما في بلاد “أمير المؤمنين” ورئيس “لجنة القدس”، الذي يدّعي أنه حفيد رسول الله، فقد تجاوز الأمر مجرد التطبيع المجاني، ليصل إلى استقبال قادة الاحتلال المتهمين بجرائم ضد الإنسانية، والسماح لهم بتهديد دولة شقيقة رفضت الخضوع لموجة التطبيع. هذا الهوان، وهذا الخسران، ما كان ليُمرَّر لولا تبريرات الفقه البالي، الذي جعل الخيانة سياسة، والمذلة حكمة.
النهضة الحقيقية لن تتحقق إلا إذا تحررنا من الحواجز التي فرضتها بعض التأويلات القديمة، التي تضرب الدين الحق في الصميم. فالدين الذي أكمله الله في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بقوله “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”، لا يحتاج إلى تأويلات أو إضافات جديدة. بل هو دين كامل في مبادئه وأحكامه، ولن نبني نهضة أو مجتمعًا قويًا في ظل تأويلات تخالف جوهره وتحرف مقاصده.