الحرب على إيران تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية والنفط يقترب من 150 دولاراً
في مشهد يذكر بأشد السيناريوهات قتامة التي حذر منها خبراء الطاقة لعقود، تشهد منطقة الخليج منذ أسبوع حرباً مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، أحدثت زلزالاً في أسواق النفط العالمية وأعادت تشكيل ملامح النظام الاقتصادي الدولي. فمع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، وقفزات قياسية في أسعار الغاز، يبدو العالم…
في مشهد يذكر بأشد السيناريوهات قتامة التي حذر منها خبراء الطاقة لعقود، تشهد منطقة الخليج منذ أسبوع حرباً مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، أحدثت زلزالاً في أسواق النفط العالمية وأعادت تشكيل ملامح النظام الاقتصادي الدولي. فمع تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، وقفزات قياسية في أسعار الغاز، يبدو العالم على موعد مع أزمة إمداد كبرى قد تطيل أمدها أشهراً.
ويشكل مضيق هرمز ساحة المعركة الحقيقية في هذه الحرب الاقتصادية الصامتة. فالممر المائي الذي كان يمر عبره يومياً حوالي 20 مليون برميل من النفط، تحول إلى بحيرة من السفن العالقة بعد أن أوقفت كبرى شركات الشحن العالمي عملياتها خشية استهداف ناقلاتها. ومئات الناقلات المحتجزة على جانبي المضيق تعني ببساطة أن 20% من إمدادات النفط العالمية أصبحت رهينة للحرب.
خبراء اقتصاد يحذرون من أن ما نشهده ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل هو ضربة مباشرة في قلب النظام الاقتصادي العالمي. الطاقة، الممرات البحرية، سلاسل التأمين، والتمويل الدولي، كلها أركان يتعرض بعضها للاهتزاز والبعض الآخر للانهيار التدريجي. فمع كل يوم تمضي فيه السفن عالقة، ترتفع أقساط التأمين لتصل إلى مستويات “ضريبة حرب” حقيقية، وهذا وحده كافٍ لإشعال تضخم عالمي حتى لو بقيت آبار النفط تتدفق.
القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن العالم يدخل مرحلة من ثلاث موجات اقتصادية متزامنة: الأولى موجة تضخم مستورد تجتاح الدول المستهلكة، حيث أسعار الغذاء والسلع الصناعية ترتفع قبل أن تصل إلى الموانئ. والثانية موجة تباطؤ حاد في النمو، فالشركات لا تستثمر في زمن الحرب، بل تجمد خططها التوسعية وتكدس المخزون. والثالثة هي الأخطر، إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية عبر تكتلات صغيرة تبحث عن أمان إمداداتها بعيداً عن بؤر التوتر.
الأسوأ لم يأت بعد. فثلاثة سيناريوهات مرسومة على طاولة صناع القرار في عواصم العالم: الأول احتواء سريع خلال أسبوعين قد يمنح الأسواق فرصة لالتقاط الأنفاس، والثاني حرب تمتد لأسابيع ترفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وتلحق الضرر الأكبر بدول آسيا المعتمدة على نفط الخليج. أما السيناريو الثالث والأكثر رعباً، فهو تعطيل واسع النطاق لمضيق هرمز أو ضربات مباشرة للبنية التحتية النفطية، وهو ما سيعني أزمة إمداد عالمية حقيقية تدفع بأسعار النفط إلى 150 دولاراً والغاز إلى مستويات قياسية، كما حذرت بالفعل بعض التصريحات الرسمية في المنطقة.
ما يحدث في الخليج اليوم ليس حرباً بالوكالة ولا صراعاً حدودياً، إنها حرب تعيد تعريف مفهوم الأمن الطاقوي للعالم بأسره. وعندما تتعطل بوابة تسعير العالم، كما يصف خبراء الاقتصاد مضيق هرمز، فإن كل اقتصاد في هذا الكوكب سيدفع الثمن.