في خضم التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة، والضربات المتبادلة التي تطال سيادة الدول، يتساءل المراقبون: إلى أي مدى يمكن أن تصمد إيران في وجه العاصفة؟ لكن السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً يتجاوز مصير طهران، ليكشف عن لوحة استراتيجية كبرى ترسم ملامح شرق أوسط جديد، لا على خرائط السياسة فحسب، بل على أنقاض الدول ذاتها.
ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع نفوذ أو خلاف أيديولوجي عابر. إنه الفصل الأحدث في مشروع ممتد لعقود، تتبناه إسرائيل بدعم أمريكي غير محدود، بهدف إعادة رسم خريطة المنطقة وفق رؤية “إسرائيل الكبرى”. مشروع لا يعترف بالحدود المرسومة، ولا يتوقف عند تهديد معين ، بل يمضي بمنهجية صارمة: تفكيك دول المنطقة واحدة تلو الأخرى.
استراتيجية التدرج: عندما تسقط الدول كقطع الدومينو
لطالما أتقنت إسرائيل فن الحرب المتدرجة، مستغلة التحولات الإقليمية والدولية لتنفيذ مخططاتها على مراحل. كانت البداية مع مصر عام 1978، حين أخرجتها اتفاقيات كامب ديفيد من دائرة الصراع، فتحولت أكبر دولة عربية من قائدة للمواجهة إلى شاهد على مشروع توسعي يلتهم الأخضر واليابس.
لم يتوقف المسار. في عام 2003، وتحت ذرائع اهتز لها العالم، سقط العراق. جيشه، الذي شكل لسنوات ثقلاً استراتيجياً موازياً لإسرائيل، حُلّ بالكامل. كانت المبررات واهية، لكن النتيجة كانت مدوية: إزالة أحد أهم الأوزان الثقال من المعادلة الإقليمية.
ثم جاء الدور على سوريا. تلك الدولة التي شكلت عمقاً استراتيجياً للمقاومة، تحولت منذ 2011 إلى ساحة حرب مدمرة. لم يكن القصف مقتصراً على المدن، بل طال النسيج الاجتماعي والبنى التحتية، وانتهى بمشهد كيان منهك، بمباركة أمريكية ورضى إسرائيلي معلن. أما السودان وليبيا، ذلك الامتداد الاستراتيجي في العمق الإفريقي، فلم يسلما من الموجة. تفكيكهما كان مقدمة لتطويع سياساتهما، وتحويلهما من دولتين داعمتين للمقاومة إلى أخرى تبحثان عن مخرج في أحضان التطبيع.
الخليج: من التحييد إلى الشراكة
لكن الاستراتيجية الإسرائيلية لم تكتفِ بتدمير الخصوم. فقد ابتكرت نهجاً موازياً أكثر ذكاءً: تحويل الخصوم المحايدين إلى شركاء. دول الخليج العربية لم تعد مطلوباً منها فقط ألا تشارك في الحرب، بل أصبحت مدعوة لتكون جزءاً من النظام الإقليمي الجديد من خلال التمويل والدعم اللوجستي. بدأ المشهد بمكاتب تجارية سرية، ثم تطور إلى تطبيع علني عبر اتفاقيات أبراهام مع الإمارات والبحرين والمغرب. والأكثر إثارة للقلق، أن بعض هذه الدول تجاوزت دور المطبع الهادئ إلى تبني رسمي لأجندة المشروع، عبر نشر خطاب التطبيع وتقديم الدعم اللوجستي، تحت مظلة الحماية الأمريكية. لم يعد المطلوب من هذه الدول مجرد الحياد، بل التحول إلى حراس للنظام الجديد.
الردع النووي: الضامن الصامت
لا يمكن فهم الجرأة الإسرائيلية في تنفيذ هذه الاستراتيجية بمعزل عن عامل حاسم: الترسانة النووية غير المعلنة. هذا التفوق النوعي، المدعوم بغطاء أمريكي وغربي مطلق، يمنح إسرائيل هامش حركة استثنائي. إنها قادرة على تهديد الدول العربية مجتمعة، بمطبعيها وغير مطبعيها، دون خوف من رد فعل تقليدي مكافئ. هذا الرادع الصامت يحول أي مواجهة تقليدية إلى معادلة مستحيلة.
ما بعد إيران: الأفق المفتوح على القوى الإقليمية
الطموحات الإسرائيلية تتجاوز بكثير الملف النووي الإيراني. الاستراتيجيون في تل أبيب يتحدثون بوضوح عن مرحلة ما بعد طهران. فبعد القضاء على الدور الإيراني أو تحييده، ستتجه الأنظار إلى القوى الإقليمية الأخرى التي قد تشكل تحدياً مستقبلياً: تركيا، ذات الثقل التاريخي والجيش القوي. باكستان، القوة النووية الإسلامية الوحيدة. الجزائر، العمق الاستراتيجي العربي في المغرب العربي. كلها دول تقع في مرمى الاستهداف المحتمل، وفق الرؤية الإسرائيلية التي ترى أن القضاء على إيران سيمكنها من الانتقال من مرتبة “قوة إقليمية” إلى “قوة عالمية”، حليف استراتيجي حقيقي للولايات المتحدة في مواجهة القوى الكبرى الأخرى.
الفخ الذي سقط فيه العرب والمسلمون جميعاً
لكن أكثر ما يثير الأسى في هذا المشهد، ليس وحشية الاستراتيجية الإسرائيلية، بل ردود الفعل العربية والإسلامية تجاهها. فاليوم، يردد البعض بفرح خفي أو بوعي مغيب، أمنياتهم بتدمير إيران. وهم بذلك لا يدركون أنهم ينسخون ما فعلته أجيال سابقة مع العراق، ثم سوريا، ثم ليبيا والسودان. إنهم ينقادون، بوعي أو بدونه، خلف رؤية إسرائيلية تقودهم إلى حتفهم واحداً تلو الآخر. يظنون أن العداء الطائفي أو السياسي يمكن أن يكون مبرراً للانحياز إلى مشروع يستهدف الجميع في النهاية. ولكن كما أن تدمير العراق لم يرضِ شهية إسرائيل، بل فتحها، فإن تدمير إيران سيفتح شهيتها نحو ابتلاع من تبقى من الدول التي تظن نفسها أنها اليوم في مأمن، “إسرائيل الكبرى” التي يحلم بها الصهاينة والإنجيليون الجدد، من الفرات إلى النيل، ليست مجرد شعار. إنها مشروع يقوم على هيمنة كاملة على مركز العالم، حيث تتركز أهم مصادر الطاقة، وتقع المضائق البحرية الأكثر أهمية في العالم.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على بقاء النظام الإيراني أو سقوطه، بل على فهم طبيعة المشروع الإسرائيلي التوسعي الذي لا يعترف بحدود ولا يقف عند تهديد. التحدي الأكبر أمام المنطقة هو تجاوز الانقسامات الداخلية والرهانات الخاسرة، والنظر إلى الخريطة ككل مترابط. فخطر هذا المشروع لا يستثني أحداً، وأمن المنطقة كل لا يتجزأ. السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل سيدرك العرب ذلك قبل فوات الأوان، أم سيبقى كل منهم ينتظر دوره في قائمة الانتظار؟