لطالما سعت إسرائيل إلى تثبيت موقعها كلاعب إقليمي فاعل في المشرق العربي، ليس فقط عبر أدواتها الأمنية والعسكرية، وإنما من خلال استثمار التحولات البنيوية في الدول المجاورة، وبخاصة تلك المتعلقة بالانقسام الطائفي والتفكك الاجتماعي.
ويُشكّل المشهد السوري، منذ اندلاع أزمته وتحديدًا بعد سقوط النظام في نهاية عام 2024، ساحة مركزية لهذا النوع من الاستغلال الإسرائيلي، الذي أعاد تفعيل مقاربة “تحالف الأقليات” بصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، مع توظيف الأدوات الحديثة الناعمة والصلبة في آنٍ معًا.
منذ الانتداب الفرنسي، شكّل تحالف الأقليات في سوريا ولبنان أداة لتأمين السيطرة والتوازن في مواجهة الأكثرية السنية. وكان الفرنسيون حريصين على رعاية هذا التحالف، مستفيدين من التباينات الدينية والمذهبية لتمكين نفوذهم السياسي والعسكري.
إسرائيل، وإن دخلت متأخرة إلى هذا المسار، إلا أنها أعادت بعثه بمقاربة جديدة مستمدة من حاجتها إلى تأمين حدودها الشمالية، وضمان بقاء الدول المحيطة بها ضعيفة ومجزأة.
ومع الانهيار المفاجئ للنظام السوري، وجدت إسرائيل فرصة نادرة لإعادة تشكيل التوازنات الطائفية بطريقة تعزز من مكانتها، وتمنحها ورقة ضغط جديدة في الملف السوري الذي لطالما كان ساحة نفوذ قوى إقليمية ودولية متنافسة.