هرمز.. معركة السيطرة على بوابة الخليج ومفتاح النزال بين طهران وواشنطن

لم تعد معركة مضيق هرمز مجرد مواجهة على ممر مائي ضيق يفصل الخليج العربي عن خليج عُمان؛ إنها تحولت إلى واحدة من أهم ساحات الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وربما إلى الورقة الأكثر حساسية في المواجهة التي تتجاوز حدود إيران لتطال أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

في أحدث حلقات التصعيد، أعلنت طهران أنها تستعد خلال الأيام المقبلة لإقامة «منطقة محظورة» خارج مضيق هرمز، تبدأ، بحسب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، من خط الحصار البحري الأميركي وتمتد إلى أجزاء من الخليج. وقال إن أي سفينة تدخل المنطقة الجديدة ستُدرج على قائمة العقوبات الإيرانية.

المغزى هنا يتجاوز الإعلان عن منطقة جغرافية جديدة. فطهران تحاول القول إن الحصار الأميركي لن يكون من طرف واحد، وإن الولايات المتحدة إذا أرادت منع حركة السفن المرتبطة بإيران، فإن إيران تستطيع بدورها توسيع دائرة المخاطر لتشمل حركة الملاحة في محيط هرمز.

هل تستطيع إيران تنفيذ تهديدها؟

الإجابة القصيرة هي: نعم، تستطيع إيران تعطيل الملاحة ورفع كلفتها بصورة كبيرة، لكنها تواجه صعوبة أكبر بكثير في فرض سيطرة مطلقة ومستدامة على المضيق في مواجهة البحرية الأميركية.

هذه نقطة جوهرية.

إيران تمتلك جغرافيا مثالية للضغط على هرمز. فالمضيق يقع بمحاذاة الأراضي الإيرانية، وتنتشر على الساحل الإيراني قواعد ومنشآت عسكرية وصواريخ مضادة للسفن، بينما تستطيع طهران استخدام مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام والوسائل غير المتماثلة لتهديد السفن.

والنتيجة لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق فعلياً.

يكفي أن تصبح الرحلة عبره شديدة الخطورة بحيث تتردد شركات الملاحة والتأمين في إرسال ناقلاتها.

وهذا بدأ يظهر بالفعل. فقد تراجع متوسط عبور سفن السلع عبر هرمز إلى نحو 10 سفن يومياً خلال الأيام الأخيرة، بعدما تجاوز 15 سفينة في وقت سابق، فيما انخفض العبور في إحدى الفترات إلى سفينتين فقط في يوم واحد. كما أدت المواجهات الأخيرة إلى إعادة ناقلات وتوقف حركة ناقلات النفط العملاقة تقريباً.

بمعنى آخر، إيران لا تحتاج إلى إغلاق الباب بالكامل كي تستخدمه كسلاح.

لكن إلى متى تستطيع إيران الاستمرار؟

هنا تكمن إحدى نقاط الضعف الإيرانية.

إيران تستطيع إحداث اضطراب كبير خلال فترة قصيرة، وربما المحافظة على مستوى مرتفع من التهديد لفترة أطول، خصوصاً إذا اختارت حرب استنزاف بحرية تعتمد على الضربات المتقطعة بدلاً من محاولة فرض حصار بحري كامل.

لكن تحويل ذلك إلى سيطرة دائمة على هرمز في مواجهة القوة البحرية والجوية الأميركية مسألة مختلفة تماماً.

فالولايات المتحدة تستطيع استخدام القوة البحرية والجوية لإعادة فتح ممرات للملاحة، ومرافقة السفن، وضرب منصات إطلاق الصواريخ والمنشآت المرتبطة بتهديد الملاحة، إضافة إلى عمليات إزالة الألغام وتأمين الممرات.

وتشير تقديرات وتحليلات عسكرية حديثة إلى أن الجهود الأميركية لاستعادة حرية الملاحة بدأت بالفعل في تحدي قدرة إيران على فرض سيطرة كاملة على المضيق.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس «إغلاقاً إيرانياً محكماً» لشهور طويلة، وإنما حالة مستمرة من الإغلاق الجزئي، والتعطيل، والمخاطر، وارتفاع كلفة التأمين والنقل والطاقة.

وهذا في حد ذاته سلاح استراتيجي.

واشنطن تريد هرمز مفتوحاً.. وطهران تريد أن تجعل فتحه ثمناً

المواجهة بين واشنطن وطهران حول هرمز تبدو اليوم وكأنها صراع على سؤال واحد:

من يملك حق تحديد شروط المرور؟

الولايات المتحدة تريد أن تجعل حرية الملاحة أمراً غير قابل للتفاوض، وتستخدم قوتها البحرية لمنع إيران من تحويل المضيق إلى أداة لخنق صادرات الطاقة العالمية.

أما إيران فتحاول تحويل المضيق من ممر دولي إلى ورقة تفاوضية؛ أي أن تقول للأميركيين: إذا أردتم خنق صادراتي أو حصار اقتصاد بلادي، فلن يكون بمقدوركم ضمان تدفق الطاقة من الخليج وكأن شيئاً لم يحدث.

وهذه هي النقطة التي تجعل هرمز أخطر بكثير من مجرد مساحة بحرية.

فالولايات المتحدة نجحت بالفعل في استخدام الحصار البحري للضغط على صادرات النفط الإيرانية؛ إذ أشارت بيانات نقل وصناعة الطاقة إلى أن صادرات الخام الإيرانية تراجعت بشدة خلال الأشهر الأخيرة، بينما أصبحت قدرة طهران على تصريف نفطها وتوليد العملة الصعبة أكثر صعوبة.

وبالتالي، ترد إيران على الحصار بمحاولة جعل تكلفة الحصار نفسه مرتفعة على الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي.

هل من يتحكم في هرمز يتحكم في مخرجات الحرب؟

ليس بهذه البساطة.

لكن يمكن القول إن من يملك القدرة على التحكم في هرمز يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في مخرجات المواجهة.

فالهرمز ليس مجرد مضيق؛ إنه عقدة استراتيجية للطاقة العالمية. وأي اضطراب واسع فيه ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز والتأمين والشحن، وبالتالي على اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

وقد ظهرت هذه الحساسية في الأسواق سريعاً. فقد ارتفع سعر خام برنت إلى مستويات تقارب 98 دولاراً للبرميل مع تصاعد المواجهة الأخيرة، وسط تحذيرات من أن استمرار اضطراب الملاحة قد يؤدي إلى صدمة أكبر في الإمدادات.

لكن السيطرة على هرمز لا تعني السيطرة على الحرب.

إيران تستطيع استخدام المضيق لرفع كلفة الحرب على خصومها، بينما تستطيع الولايات المتحدة استخدام قوتها العسكرية لإعادة فتحه، لكنها لا تستطيع بالضرورة إزالة قدرة إيران على تهديده من دون تكلفة عسكرية وسياسية كبيرة.

وهنا تظهر معادلة الردع المتبادل.

هرمز كسلاح إيراني.. وهشاشة أميركية أيضاً

إيران تدرك أن إغلاق هرمز سيضرها هي أيضاً.

اقتصادها يعتمد على تصدير الطاقة، كما أن إيران نفسها تحتاج إلى استيراد بعض السلع عبر البحر. لذلك فإن إغلاق المضيق بالكامل سيكون أشبه بسلاح ذي حدين.

لكن طهران لا تحتاج إلى الوصول إلى هذه المرحلة.

يكفيها أن تجعل الملاحة محفوفة بالمخاطر، وأن ترفع أسعار التأمين، وأن تدفع شركات الشحن إلى الانتظار أو تغيير مساراتها، وأن تجعل كل ناقلة تعبر المضيق أمام حساب عسكري وسياسي جديد.

وهذا هو جوهر الحرب غير المتكافئة التي تجيدها إيران: تحويل نقطة ضعف جغرافية صغيرة إلى مشكلة استراتيجية كبيرة لخصم أقوى عسكرياً.

في المقابل، تستطيع واشنطن استخدام تفوقها البحري والجوي لإجبار السفن على العبور أو إنشاء ممرات آمنة، لكنها بذلك تخاطر بتحويل كل حادث بحري إلى مواجهة مباشرة بين القوات الأميركية والإيرانية.

المنطقة المحظورة.. رسالة إلى أميركا أكثر منها إلى السفن

لذلك، فإن إعلان «المنطقة المحظورة» المرتقبة يمكن فهمه أساساً باعتباره رسالة ردع سياسية وعسكرية.

طهران تقول لواشنطن إن خط الحصار الأميركي لن يكون نهاية المعركة، وإن إيران قادرة على نقل الضغط إلى المجال الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها: الطاقة والملاحة.

لكن هناك فارقاً مهماً بين الإعلان عن منطقة محظورة وبين القدرة على فرضها فعلياً.

الإعلان قد يخلق أثراً نفسياً واقتصادياً فورياً، لكن تحويله إلى واقع مستدام يحتاج إلى قدرة عسكرية على مراقبة المنطقة واعتراض السفن وفرض القرار، وهو ما سيضع إيران مباشرة في مواجهة القوة البحرية الأميركية.

كما أن الوضع القانوني معقد؛ فالمضيق يخضع لنظام خاص للممرات الدولية، والولايات المتحدة وإيران ليستا طرفين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فيما تؤكد واشنطن أن حق المرور العابر أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي، بينما تتبنى طهران تفسيراً أكثر تقييداً لحقوق الملاحة.

ولهذا فإن أي محاولة إيرانية لفرض منطقة واسعة على حركة الملاحة ستواجه ليس فقط اعتراضاً عسكرياً أميركياً، وإنما أيضاً اعتراضاً قانونياً ودبلوماسياً دولياً.

المعركة الحقيقية ليست على الماء فقط

في نهاية المطاف، معركة هرمز هي معركة إرادات.

واشنطن تريد أن تثبت أن العقوبات والحصار قادران على خنق إيران من دون أن تتمكن طهران من استخدام الطاقة العالمية رهينة.

وطهران تريد إثبات العكس: أن أي محاولة لخنق إيران ستجعل الخليج نفسه ساحة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز؟

السؤال الأدق هو:

هل تستطيع إيران جعل كلفة إبقاء هرمز مفتوحاً أعلى من كلفة التفاوض معها؟

إذا نجحت في ذلك، فإنها لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على المضيق.

وإذا نجحت الولايات المتحدة في إبقاء حركة الملاحة مستمرة رغم الهجمات والتهديدات، فإنها تكون قد حرمت إيران من أهم أدوات الضغط الاستراتيجي لديها.

أما إذا تحول هرمز إلى منطقة لا تستطيع السفن التجارية المرور فيها إلا تحت حماية عسكرية أو بشروط تفرضها إحدى القوتين، فإن المعركة تكون قد انتقلت إلى مستوى أخطر: من يحدد قواعد الحركة في الخليج هو عملياً من يملك إحدى أهم أوراق تحديد شروط نهاية الحرب.

ولهذا، قد لا يكون مضيق هرمز هو المكان الذي تُحسم فيه الحرب الأميركية الإيرانية، لكنه بالتأكيد المكان الذي يمكن أن يتحدد فيه ثمن الانتصار وثمن التسوية وشكل اليوم التالي للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *