من الضربة إلى المواجهة الشاملة: التصعيد الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران
في 28 فبراير 2026 شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا بالغ الخطورة، عقب إعلان تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة بمشاركة الكيان الصهيوني لتنفيذ هجوم واسع النطاق ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والذي وُصف من الجانب الأميركي بأنه “إجراء استباقي” ضمن عمليات قتالية كبرى تستهدف تعطيل قدرات عسكرية وصاروخية إيرانية. الضربات طالت مواقع في طهران وأصفهان وكرمانشاه وكرج، مع تركيز واضح على منشآت عسكرية وبنى مرتبطة بالبرنامج الصاروخي.
جاءت هذه العملية في سياق مفاوضات متعثرة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتراكم خطاب تصعيدي أميركي حول ما أسمته “تهديدات وشيكة”. وهي تمثل اعتداء مباشرا على السياد الوطنية وانتهاكا صريحا للقانون الدولي، سيما في ظل غياب تفويض دولي معلن باستخدام القوة.
طهران، أعلنت أن الرد “حتمي وحاسم”، فيما بدأت القوات المسلحة الإيرانية تنفيذ ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع إسرائيلية وقواعد عسكرية أميركية في بعض دول الخليج. حسب ما جاء في الخطاب الرسمي الايراني وبما اكده من احقية في التصدي للاعتداء الامريكي الاسرائيلي الذي تجاوز الخطوط الحمراء، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
يختلف تصعيد 28 فبراير عن جولات الصراع السابقة، التي كانت تقتصر على ضربات محدودة أو مواجهات غير مباشرة عبر ساحات إقليمية مثل العراق وسوريا أو البحر الأحمر. فالجديد في هذا الحدث يكمن في المواجهة المباشرة والعلنية بين دول ذات قدرات عسكرية متقدمة، مع تاكيد واشنطن مشاركتها الفعلية في العمليات سيما بعد اعلان ترامب بدء الحرب مع ايران. إضافة إلى ذلك، استهدفت الضربات العمق الجغرافي الإيراني، بما يشمل مدنا حيوية، ما يرفع مستوى المخاطر الاستراتيجية بشكل كبير، ويحوّل الصراع من منطق الردع المتبادل المحدود إلى فرض الوقائع بالقوة، مع احتمالات عالية للانزلاق نحو مواجهة مفتوحة واسعة النطاق.
لفهم هذا التصعيد، لا بد من العودة إلى جذور الصراع الممتد منذ الثورة الإسلامية عام 1979، التي قلبت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة رأسا على عقب وأدخلت المنطقة في عقد من التوتر وعدم الثقة المستمر. اين تبنت من قبل الولايات المتحدة سياسات ضغط متدرجة، شملت العقوبات الاقتصادية وحملات العزل السياسي، وصولا إلى انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي 2018. أما الكيان الاسرائيلي المحتل، فينظر إلى إيران كتهديد استراتيجي طويل الأمد، سيما في ضوء دعم طهران لحركات المقاومة الإقليمية، معتمدة على عقيدة الضربات الاستباقية لمنع أي تهديد نووي محتمل أو نقل تقنيات صاروخية دقيقة. ومن هذا المنظور، يقوم التحالف الأميركي–الإسرائيلي على تقاطع مصالح يشمل منع الانتشار النووي، احتواء النفوذ الإيراني الإقليمي، وحماية الحلفاء.
تعكس بذلك الحسابات الاستراتيجية لكل طرف منظوراً مختلفاً للأمن والمخاطر. بحيث تسعى الولايات المتحدة لفرض كلفة مباشرة على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني وإعادة ضبط ميزان الردع الإقليمي، في حين تعتمد إسرائيل على عقيدة الوقاية الاستراتيجية لضمان عدم وصول إيران إلى العتبة النووية العسكرية وتقليص نفوذها في دول الجوار. من جانبها، تعتبر إيران أن أي تراجع تحت الضغط العسكري يمثل تهديداً وجودياً، لذا يتركز الرد على حماية السيادة الوطنية، وإثبات قدرة الردع المباشر وغير المباشر، ورفع كلفة أي اعتداء محتمل على مصالحها الإقليمية..
في المحصلة، يشكل تصعيد 28 فبراير نقطة مفصلية في الشرق الأوسط، متجاوزا كونه مواجهة عسكرية، ليضحى اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على إدارة صراعات بين دول ذات قدرات عسكرية متقدمة. وهو صراع دقيق معقد يتطلب حسا سياسياً ودبلوماسيا دقيقا، سيما وان المنطقة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصادية والجيوسياسية، بما يضع الأمن والاستقرار الإقليميين على المحك.