مع الساهرين…!
� مع الساهرين…!
حين يتكلم الشوك مع الورد
في ليالي السهر، حين يهدأ كل شيء إلا الفكر،
تبدأ الأشياء من حولنا تتحدث بلغتها الخاصة…
حتى الشوك والورد، حين يلتقيان في الظلّ،
يفتحان لنا بابًا آخر لفهم الإنسان، بين من يعيش ليؤلم،
ومن وُلد ليُعطّر، ولو نازفًا.
يا سادة الليل…
في ركنٍ من بستانٍ بعيد،
وقف الشوك، ينظر إلى الورد نظرةً ملأى بالحقد…
ذاك الشوك اليابس، الجاف، الذي لا يعرف إلا الخدش والوجع،
يرى الورد يتهادى بين النسيم، يتمايل في نوره وعطره،
فاشتعلت النار في قلبه!
اقترب منه وقال ساخرًا:
“يا أحمرَ الخدود… ما بالك تتبختر هكذا؟ أتظن نفسك أفضل مني؟”
فابتسم الورد بهدوءٍ عطِرٍ وقال:
“ما جئتُ لأُقارن، بل لأُعطّر المكان…
أما أنت، فجئتَ لتؤذي كل من يقترب منك.”
فسكت الشوك لحظة… ثم ازداد غيظًا!
قال:
“سأجرّح من يمدّ يده إليك، لأجعلك تكره نفسك!”
فقال الورد بهمسٍ واثقٍ:
“افعل ما شئت، فحتى إن جرحتَهم… سيعودون إليّ.
لأن الألم يُنسى، والعطر لا يُنسى.”
(هنا تنخفض النبرة، كأن السرّ يُقال همسًا…)
هكذا هي الحياة يا رفاق…
دائمًا هناك شوكٌ يغار من وردة،
وحقدٌ يختبئ خلف كلمة إعجاب،
ووجهٌ يبتسم لك… وهو يتمنى ذبولك.
لكن، من قال إن الورد يخاف من الشوك؟
هو يعيش بينه، يعرفه، ويتعطر رغم جراحه.
فكن وردةً، ولو وسط الشوك.
كن جميلًا، ولو كرهك القبيح.
ودع الشوك يصيح كما يشاء…
فهو لا يعرف سوى الصراخ،
وأنت… خُلقت لتفوح.
(وقفة قصيرة… ثم بصوتٍ خافتٍ متهدّج…)
أراد الشوك أن ينتقم من الورد…
فناداه: يا أحمر الخدود!
ولم يدرِ أنه حين ناداه،
اعترف بجماله. ✨
«في كل حقدٍ صامتٍ، اعترافٌ خفيّ بالجمال.»
✍ مع الساهرين – بقلم نصرالدين الحامدي النائلي