عندما تتعرض دولة ما لعدوان مباشر على أراضيها وسيادتها، فإن حقها في الدفاع عن نفسها ليس منّة من أحد، بل أصل تقره الشرائع والقوانين الدولية معاً. الحرب العدوانية على إيران ليست نقاشاً نظرياً أو جدلاً إعلامياً، بل فعل عسكري استهدف سيادة دولة مستقلة. والرد على استهداف السيادة حق مشروع، لا يحتاج إلى مباركة مذهبية ولا إلى شهادة حسن سلوك عقدية من أحد.
غير أن المفارقة المؤلمة التي يُتغافل عنها الكثيرون، أن معظم الضربات العسكرية الأمريكية تنطلق من الجوار العربي لإيران حيث تتمركز قواعد وقيادات عسكرية أمريكية تدير عملياتها في الإقليم. هذه المنطقة “السنية”، والتي يطبع خطابها الرسمي والشعبي حب الصحابة والغيرة عليهم، ورفع لواء الدفاع عن “العقيدة الصحيحة” في مواجهة الآخرين. هنا يبرز سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسياً: كيف يُستنفر الغضب لقضايا تاريخية مضى عليها قرون، بينما تُستخدم أراضٍ عربية منطلقاً لعمليات عسكرية تفضي إلى ترويع مدنيين وقتل أطفال وشيوخ، بصرف النظر عن مذاهبهم وانتماءاتهم؟
لقد اتضحت معالم الصراع في المنطقة أكثر مع الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وازدادت وضوحاً مع تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان حين تحدث عن “إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل”. هذا الطرح – أياً كان الجدل حول سياقه – يحمل دلالة توسعية تمس قبل غيرها الدول العربية السنية الواقعة ضمن هذا المجال الجغرافي. فالتهديد، بمنطقه الجيوسياسي، لا يميز بين سني وشيعي، ولا بين عربي وأعجمي؛ بل ينظر إلى المنطقة كوحدة استراتيجية قابلة لإعادة التشكيل وفق موازين القوة.
إن إضعاف إيران أو دفعها إلى مسارات تُفرغها من دورها الإقليمي يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الخريطة الجيوسياسية بما يخدم التفوق الإسرائيلي لعقود، ويعزز في الوقت نفسه استمرار الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية برمتها في إطار نظام أحادي القطب، على الأقل في المدى المنظور. وهذه قراءة في منطق المصالح الدولية، بعيداً عن الاصطفافات المذهبية الضيقة.
عند هذه النقطة، يصبح السؤال المركزي: من المستفيد من إعادة إشعال الفتن المذهبية في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية؟ من يخدمه أن يتحول النقاش من قضايا السيادة والعدوان والقواعد العسكرية والتصريحات التوسعية وواجب نصرة المظلوم، إلى جدل حول سبّ الصحابة وتكفير أتباع المذاهب الإسلامية؟
أخطر ما يمكن أن يحدث في ظرف كهذا هو إعادة تعريف الصراع على أنه نزاع طائفي داخلي. حينها تُطمس معادلات القوة الحقيقية، وتُستنزف الطاقات في معارك هوية، بينما تتقدم المشاريع التوسعية بخطوات ثابتة. إن وحدة الموقف لا تعني إلغاء الخلافات العقدية، لكنها تعني ترتيب الأولويات: مواجهة العدوان والتهديد الوجودي للأمة قبل الانشغال بصراعات داخلية لا يستفيد منها إلا الأعداء.