كوبا في مرمى التصعيد: حين تتقاطع أجندة الهيمنة مع معاناة شعب

من طهران إلى كراكاس، وصولاً إلى هافانا، يبدو أن ثمة خيطاً ناظماً يجمع محطات السياسة الخارجية الأمريكية في حقبتها الراهنة. فبعد حملات “الضغط الأقصى” التي استهدفت إيران وفنزويلا، تتجه الأنظار اليوم إلى كوبا، حيث تتكثف المؤشرات على أنها الهدف التالي في مسرح القوة الذي تديره إدارة الرئيس دونالد ترمب. في هذا السياق تحديداً، جاء تحذير الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانل يوم الاثنين، ليضع ما يجري في إطاره الأوسع: محاولة فرض الهيمنة على جار لا يملك سوى حق الدفاع عن نفسه.

لم تكن كلمات كانل على منصة إكس منفصلة عن هذا السياق الممتد. فعندما تحدث عن “مذبحة” محتملة قد تنجم عن أي عمل عسكري أمريكي، كان يصف النتيجة المنطقية لتراكم الضغوط على بلد صغير وقع في دائرة الاستهداف المتسلسل. وأوضح أن كوبا، التي ترزح تحت وطأة “عدوان متعدد الأبعاد”، لا تشكل تهديداً، بل تمارس “الحق المطلق والمشروع في الدفاع عن النفس”، في مواجهة قوة عظمى اعتادت إعادة رسم أولوياتها وفقاً لخرائط نفوذها.

جاء التصعيد الأخير بعد تقرير استخباراتي أمريكي تحدث عن حصول كوبا على مئات الطائرات المسيرة وخطط لاستهداف قاعدة غوانتانامو وسفن قبالة فلوريدا. لكن ما يغيب غالباً في خضم تبادل التهديدات هو الكلفة الإنسانية الباهظة لنهج متواصل من العقوبات. فإلى جانب الحصار الاقتصادي المستمر منذ عام 1962، تعيش كوبا اليوم تحت حصار نفطي خانق فرضته واشنطن في يناير الماضي، لم يسمح خلاله سوى بوصول ناقلة روسية واحدة في مارس. ثم في مطلع مايو، أقر ترمب حزمة عقوبات جديدة، وكأن كوبا باتت الملف المفتوح التالي بعد أن طويت صفحات سابقة أو أحيلت إلى رفوف الانتظار.

في هذا المشهد، بدا وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز واضحاً حين استند إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لتذكير العالم بأن حق الدفاع المشروع ليس امتيازاً تمنحه القوى الكبرى، بل حق أصيل للدول جميعاً. وأضاف أن الذرائع التي تسوق لتبرير أي عدوان على بلاده “كاذبة”، في إشارة إلى نمط يتكرر: بناء رواية التهديد أولاً، ثم الانتقال إلى مرحلة المواجهة، كما حدث في سيناريوهات سابقة لم تبتعد عنها إيران وفنزويلا كثيراً.

أما تصريح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عن القلق من “خصم أجنبي قريب جداً من سواحلنا”، فيكشف عن عقلية لا ترى في الجوار الجغرافي سوى تهديد يجب احتواؤه. فيما جاءت زيارة مدير “سي آي إيه” جون راتكليف إلى هافانا لتضيف طبقة أخرى من الغموض على مشهد متوتر أصلاً. وفي ذروة التصعيد، برزت تقارير عن نية ممثلي الادعاء الأمريكي توجيه اتهامات إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، البالغ 94 عاماً، بشأن إسقاط طائرتين لمنظمتين إنسانيتين عام 1996. خطوة كهذه، إن تمت، لن تكون مجرد إجراء قضائي عابر، بل فصلاً جديداً في كتاب الضغوط الذي طالما فتحته واشنطن حين أرادت إعادة تشكيل ميزان القوى في جوارها.

وهنا يكمن السؤال الجوهري: أليست كوبا اليوم تسير على ذات الدرب الذي سلكته إيران وفنزويلا من قبل؟ درب يبدأ بعقوبات مبرمجة، ويمر بروايات تهديد متصاعدة، وينتهي بمواجهة مفتوحة، فيما يقف المواطن العادي حائراً بين انقطاع الوقود وارتفاع الأسعار وذاكرة مثقلة بحروب لم يخترها. في النهاية، يبقى المواطن الكوبي هو من يدفع ثمن سياسات ومزاج دولة عضمى لا تعترف إلا بالقوي.

اقرأ أيضا