عبد القادر مام – كمال داوود…. حارس بحذاء العسكر الفرنسي

في عنوان مقالة له في الصحافة الفرنسية، وصف كمال داوود اللغة الفرنسية بأنها خالدة في الجزائر، لا لأن بوصفها لغة وحسب، بل لأنها خيال جماعي يسكن المجتمع الجزائري.

ويشير إلى أن ملايين الجزائريين، خاصة في فرنسا يتكلمونها وتربطهم بها علاقات وجدانية وتاريخية

ويجزم الكاتب أن محاربتها في الداخل الجزائري لا يمكن أن تنجح بالكامل، لأنها مرتبطة بتاريخ ودم وذاكرة وهوية معقدة، وبالتالي، نعم، يؤكد خلود الفرنسية كواقع إنساني وثقافي وتاريخي عميق، يصعب استئصاله لا ” بالقرار السياسي ولا بالخطاب الشعبوي”، على حد وصفه.

وهنا يستفزني حقا، كما لو أن الفرنسية ضحية، لا كأداة قمعٍ وتفوق ثقافي مارسته فرنسا في الجزائر على مدى قرن واثنتين وثلاثين سنة من الاستعمار.

ويأسف ايضا لكون الجزائر – بحسبه – تغلق نافذة على العالم بإقصائها للفرنسية، ويندد بما يسميه ” القتل اللغوي”، هكذا والله بكل بجاحة وفجاجة، متناسيا  الحقيقة الجوهرية: وهي أن الفرنسية لم تدخل الجزائر كلغة تواصل واختيار، وأنها ليست لغة مجردة، وأنها لغة جلاد، أسال بها الدماء والدموع وأحدث بها الآلام والقمع والتسلط والندوب.

ليعلم كمال داوود أن رفض الفرنسية في الجزائر، ليس رفضًا لمجرد ” أنها لغة حية “، بل هو موقف أخلاقي وسيادي من أداة استعمارية لازمت مشروع الإبادة الثقافية للشعب الجزائري.

لم تكن الفرنسية في الجزائر يوما محايدة، بل كانت جزءًا من جهاز استعماري سعى إلى صنع جزائريين بلا ذاكرة، وبلا انتماء وبلا شخصية، بل سعى هذا الجهاز إلى فصل الشعب وتحييده عن لغته ودينه، وتاريخه.

كمال داوود يتحدث عن ” الفرنسية الخالدة “، لكنه يتناسى أن خلود اللغات لا يُصنع بالقوة ولا بإجبار الآخر وتحسيسه بالدونية ولا بالحزن والنوستالجيا، ولا بالإستعلائية والعجرفة، بل الخلود يُكتب للغة ولغيرها، بالحرية، بالانفتاح، وبالاختيار الطوعي من طرف الشعوب، وبعلاقات الصداقة السليمة والنظيفة وبالتقارب والتعايش والاحترام المتبادل.

ثم لماذا يبكي كاتب المقال على الفرنسية في الجزائر تحديدًا ؟، هل هو حريص على بقاء الفرنسية في فيتنام، أو مدغشقر، أو غرب إفريقيا ؟، أم أن الجزائر، بشحنتها الرمزية، هي عقدة فرنسا التاريخية، وآخر ما تبقى لها من أوهام رسالتها ” الحضارية ” التي أوهمت بها العالم ؟

لسنا ضد الفرنسية لأنها فرنسية، بل لأننا نعرف ما الذي احدثته هذه اللغة في بلادنا عندما تسببت في خلق لسانيْن وثقافتيْن أديا إلى بروز شعبيْن في بلد واحد، ونعرف كيف فُرضت

وسُلطت وصارت معاول هدم وبتر واجتثاث لهوية أمة بأكملها في ارضها ووطنها، ولسنا ضد تعلمها أو دراستها لمن شاء، لسنا ضدها، بل نحن ضد من جعل منها أداة للميز اللساني بين أبناء الشعب الواحد وضد مَن جعلها لغة رسمية موازية أو مفروضة، تُضيّق على الهوية وتختزل الجزائر في مرآة الآخر.

الفرنكوفونية ليست قدرا محتوما، ولا أمرا مفروضا، فالجزائر قد اختارت أن تخلع عنها ثوبًا ليس لها ولا يشبهها البتة. ربما ستظل الفرنسية في الجزائر. ولكن لا كجسر محبة وود، بل كندبة، وكظل طويل لذاكرة استعمار لم يُمحَ بعد، وإذا بقيت، فستبقى في اللاوعي الجمعي، لا في الوعي الحر.

واليوم، حين يحسم الجزائريون في اختياراتهم السيادية، فهم لا يقتلون الفرنسية، بل هم يحاولون تحرير أنفسهم وعتق رقابهم من ذاكرة استعمارية اجرامية مشوهة، جعلت منهم عبيدا تُبّعا وبدون شخصية وكرامة لعقود من الزمن ليس إلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *