قضية الصحراء الغربية رهينة مساومات جيوسياسية واقتصادية متغيرة

|

تعود قضية الصحراء الغربية بضراوة إلى واجهة النقاش الدولي في ظل استمرار الانسداد داخل مجلس الأمن، حيث تشهد المشاورات حول تمديد ولاية بعثة المينورسو والتعاطي مع مسار المفاوضات توترًا متناميًا بين الدول الكبرى، ما يعكس تراجع التوافق الذي ميّز مقاربة الملف خلال السنوات الأخيرة.

تناقض الإرادات الدولية

خلافًا لفترات سابقة اتسمت بقدر من الانسجام في خطاب القوى الفاعلة، برزت اليوم تباينات حادة في فهم طبيعة الحل “الواقعي” الممكن. فبينما تدفع فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا نحو حل يُبقي على خيار الحكم الذاتي ضمن سيادة المغرب كمسار وحل ذي أفق واقعي ووحيد للتفاوض، تشدد كلّ من روسيا والصين على ضرورة التمسك بـ“حق تقرير المصير” دون تحديد آلية واضحة قابلة للتنفيذ. هذا الانقسام يضع مجلس الأمن في زاوية حرجة ويُضعف وزن قراراته، خاصة بعد تصاعد لغة التحفظ أو الامتناع عن التصويت داخل الجلسات المغلقة.

 

التحفظ الروسي

ترى روسيا الإتحادية التي تقف في وجه واشنطن، بأن الحياد واجب وعلى أن مجلس الأمن مُطالب بالالتزام بالشرعية الدولية فيما يخص صيغة الحل النهائي لهذا النزاع، وضرورة التوافق على طبيعته (الحل) من لدن كل الأطراف، كيفما كانت صيغته، وبأن يتم ذلك في إطار مفاوضات برعاية الأمم المتحدة، وليس بالإجراءات الأحادية الجانب، التي ستكون لها عواقب عكسية على السلم والأمن، وعلى دور هذه الهيئة الأممية وحل النزاعات بصورة سلمية وفقا للقانون والشرعية الدوليين، بهذا تكون موسكو قد وقفت على نفس المسافة مع الطرفين، ما يجعلها اليوم أكثر من أي وقت مضى البلد الوحيد في المجلس القادر على قيادة الوساطة نحو الحل السلمي وحفظ ماء وجه مجلس الأمن الدولي الذي بدأ يخرج عن مسار عمله في حل النزاعات سلمياً وفق القانون الدولي حفاظا على السلم والأمن الدوليين.

 

الجزائر مع الشرعية الدولية

في الجانب الآخر، الجزائر، بإعتبارها اللاعب المحوري والاستراتيجي فيما يخص مستقبل المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا، لديها موقف واضح في هذا الصدد، نعم للشرعية والقانون الدوليين ولا حل فوق رغبة الشعب الصحراوي. وما يجعل الموقف الجزائري موضع إهتمام من قبل القوى المؤثرة، هي أهمية هذا البلد كشريك قوي ومتكامل في المنطقة الوحيد الذي يجمع بين القوة العسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية ولإستتباب الأمن والتقدم على المستوى الإقتصادي بالنظر إلى الموارد الطبيعية و الإنفتاح على الجميع، ما يجعله محط إهتمام الغرب ومحور المنطقة المغاربية وشمال القارة.

 

بريطانيا وفرنسا تناور من أجل مصالح اقتصادية

المصالح الاقتصادية كغطاء لعقدة الماضي، تُستخدم اليوم من باريس ولندن كورقة ضغط جديدة على مستوى مجلس الأمن الدولي ضد جبهة البوليساريو للمقايضة نيابةً عن باقي الدول الأخرى المستفيدة من اتفاقيات الشراكة الأوروبية-المغربية التي تشمل الصحراء الغربية بصورة غير قانونية، غايتهم في ذلك دفع ممثل الشعب الصحراوي إلى التخلي عن معركته القانونية ضد هذه الأطراف أمام محكمة العدل التابعة للإتحاد الأوروبي، كشرط لإبقاء الوضع في الصحراء الغربية على ماهو عليه أو الدفع نحو التحول الجذري لقرارات مجلس الأمن بشأن طبيعة النزاع ومعه المركز القانوني للإقليم وحق تقرير المصير التي شكلت جوهر مداولات المحكمة والقاعدة الأساسية التي بنى عليها القضاة الأحكام التاريخية في 21 ديسمبر 2016 و 27 فبراير 2018 ثم 4 أكتوبر 2024.

 

تآكل فعالية المينورسو

منذ سنوات، تراجعت قدرة بعثة المينورسو على أداء دور فعلي يتجاوز المراقبة الشكلية لوقف إطلاق النار. ومع غياب تفويض واضح لتوثيق الانتهاكات أو مراقبة حقوق الإنسان، باتت البعثة تُتهم من طرف كل الأطراف بالعجز أو الانحياز. تفجر التوتر بمنطقة الكركرات سنة 2020 ثم استئناف الاشتباكات الرمزية على طول الجدار الأمني خلق مناخًا كامناً لانفجار عسكري منخفض الحدة، يعززه غياب مفاوضات مباشرة حقيقية منذ انسداد جولات جنيف.

انسداد المسار الدبلوماسي

المبعوث الشخصي للأمين العام يواجه معادلة شبه مستحيلة: لا الأطراف مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية، ولا مجلس الأمن قادر على فرض إطار تفاوضي ذي قوة إلزامية. دعم عدد متزايد من الدول لمقترح الحكم الذاتي المغربي من جهة، واعترافات دبلوماسية لصالح “الجمهورية الصحراوية” من جهة أخرى، جعلا التوازن الدولي هشًّا إلى حدّ “تضارب الشرعيات” بدل “توازن الشرعية”. وهذا بدوره شجّع الأطراف على التصلب، لا على التنازل.

 

تعقيد آفاق الحل السلمي

إن الأزمة الحالية داخل مجلس الأمن ليست مجرّد خلاف إجرائي، بل مؤشر على تحوّل بنيوي في موازين القوة داخل النظام الدولي. ومع غياب إرادة سياسية حقيقية لتسوية عادلة وعملية، ستبقى قضية الصحراء الغربية رهينة مساومات جيوسياسية متغيرة، ما يدفع نحو مزيد من التعقيد بدل التقريب بين المواقف — ويجعل الحل السلمي أبعد من أي وقت مضى.

 

اقرأ أيضا