قراءة في سيناريو هزيمة إيران في حربها مع أمريكا وتداعياته الكارثية على الجميع

في الأسبوع الأول من الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا، يتكرر مشهد تاريخي مؤلم. مشهد عربي مألوف: أنظمة تراهن على الغرب لإنهاء خصمها الإقليمي، تماماً كما راهن الآباء على بريطانيا لإنهاء الدولة العثمانية. والنتيجة؟ خيانة كبرى يدفع ثمنها الجميع حتى اليوم.
دعونا نستحضر المشهد الحالي: أنظمة عربية تفتح أراضيها وقواعدها للعدوان الأمريكي على إيران. تطبيع علني مع إسرائيل، ودعم سخي للكيان، وتآمر على المقاومة بكل الأشكال. الهدف المعلن: إسقاط إيران، آخر معقل للمقاومة في المنطقة.
لكن هل سأل هؤلاء الحكام أنفسهم: ماذا بعد إسقاط إيران؟ هل ضمنوا أن أمريكا ستظل حليفة لهم؟ أم أنهم سيواجهون المصير نفسه الذي واجهه أسلافهم بعد سقوط الدولة العثمانية؟

درس التاريخ: حين راهن العرب على بريطانيا

في 1916، راهن الشريف حسين على بريطانيا. وعدته باستقلال العرب ودولة موحدة. سفك العرب دماءهم في الثورة العربية، وحاربوا إلى جانب بريطانيا ضد العثمانيين. وعندما سقطت الدولة العثمانية، كانت المفاجأة:

العرب خسروا استراتيجياً بكل المقاييس. خسروا فلسطين، خسروا وحدتهم، خسروا عمقهم الإسلامي مع تركيا، ووجدوا أنفسهم تحت الاحتلال المباشر لمن راهنوا عليهم.

– بدلاً من الدولة الموحدة، جاء سايكس بيكو لتقسيم الوطن العربي.
– بدلاً من الاستقلال، جاء الاحتلال البريطاني والفرنسي.
– بدلاً من فلسطين العربية، جاء وعد بلفور لتهويدها.
– بدلاً من تركيا المسلمة الحليفة، جاء كمال أتاتورك ليحولها إلى عدو علماني متحالف مع الغرب ضد العرب.

 الرهان على أمريكا لإسقاط إيران

اليوم، يتكرر السيناريو بوجوه جديدة. أنظمة خليجية تراهن على أمريكا لإسقاط إيران. تظن أن إيران هي العدو، وأن أمريكا هي الحليف. تفتح قواعدها العسكرية، وتشارك في العدوان، وتأمل أن تكافأ بحماية أمريكية ونفوذ إقليمي.
لنفترض السيناريو الذي تراهن عليه هذه الأنظمة يتحقق: انتصار أمريكي حاسم، وسقوط النظام الإيراني، وتحول إيران إلى كيان موالٍ لأمريكا وإسرائيل. من سيربح ومن سيخسر؟
العرب سيكونون أول وأكبر الخاسرين في هذا السيناريو، لسبب بسيط: سيجدون أنفسهم بين كماشتين قاتلتين.

الكماشة الأولى: إسرائيل الكبرى

مع سقوط إيران، يختفي آخر رادع استراتيجي لإسرائيل. مشروع “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النيل سينتقل من الحلم إلى الخريطة المنفذة

– الضفة الغربية ستضم رسمياً مع تهجير الفلسطينيين.
– الأردن سيتحول إلى وطن بديل تحت الضغط.
– لبنان وسوريا والعراق ستخضع للتقسيم والنفوذ الإسرائيلي المباشر.
– مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تحدث عنه العرافون الصهاينة، سيرى النور.

الكماشة الثانية: إيران الموالية

وهنا المفارقة التاريخية الكبرى. إيران التي ساعد العرب في إسقاطها، ستتحول إلى أداة بيد أمريكا وإسرائيل ضدهم. تخيلوا:

– إيران تمتلك نفس الإمكانات البشرية والجغرافية والعسكرية.
– لكنها هذه المرة تعمل لصالح الهيمنة الأمريكية.
– تنسيق أمني خليجي إيراني إسرائيلي لمحاصرة أي مقاومة عربية.
– ميليشيات عراقية موالية لإيران الجديدة تؤمن المصالح الأمريكية.
– نفوذ إيراني في سوريا ولبنان يضمن استقراراً يخدم إسرائيل.

العرب الذين راهنوا على أمريكا لإسقاط إيران، سيكتشفون أنهم استبدلوا عدواً واحداً بعدوين: إسرائيل من جهة، وإيران الموالية لها من جهة أخرى. سيجدون أنفسهم محاصرين، خاضعين، بلا خيارات. وبلا عمق استراتيجي ، لكن هل العرب هم وحدهم من يخسرون في حل وقوع هذه السيناريو المرعب هناك متضررون آخرون لكن بدرجات متفاوتة لنبدأ بباكستان الدولة المحاصرة وجودياً

باكستان ستكون الأكثر تضرراً بعد العرب من انهيار إيران

سقوط ايران يحول باكستان إلى دولة معزولة ومحاصرة اقليميا:
من الشرق: الهند، العدو اللدود، ستخرج منتصرة دون قتال. التوازن الاستراتيجي في جنوب آسيا سينهار لصالح نيودلهي. كشمير ستضُم نهائياً.
من الشمال: أفغانستان المعادية (بسبب خط ديورند ودعم طالبان الباكستانية) ستتحول إلى قاعدة ضغط على إسلام آباد.
من الغرب: إيران الموالية لأمريكا وإسرائيل ستشكل تهديداً وجودياً. باكستان الشيعية قد تواجه مشروع انفصال في بلوشستان بتنسيق هندي إيراني.
باكستان ستجد نفسها وحيدة، محاصرة، تواجه تهديداً وجودياً حقيقياً. خياراتها: إما الخضوع للهند، أو التحالف مع الصين بشكل أعمق، وهو ما يجرها لمواجهة مع أمريكا.

روسيا: خسارة العمق الاستراتيجي

روسيا ستخسر استراتيجياً في سيناريو انهيار إيران:

– فقدان الممر البري إلى المياه الدافئة عبر الخليج.
– انكماش النفوذ الروسي في سوريا والعراق واليمن.
– تعزيز الهيمنة الأمريكية على أسواق الطاقة.
– تفاقم الضغط على روسيا في حرب أوكرانيا بعد تحرر أمريكا من الجبهة الإيرانية.
– انهيار التحالف الروسي الإيراني الذي كان أساسياً في أوكرانيا وجنوب القوقاز.

الصين: ضربة لحلم النظام المتعدد الأقطاب

الصين، الرابح الأكبر في عالم متعدد الأقطاب، ستكون الخاسر الكبير في عالم أحادي القطب:

أولاً: أمن الطاقة. نفط الصين سيخضع للسيطرة الأمريكية في الخليج. إيران كانت مصدراً موثوقاً بعيداً عن الهيمنة.
ثانياً: مشروع التعددية القطبية. انهيار إيران يعني انتكاسة كبرى لتحالف الصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا. حلم العالم المتعدد الأقطاب سيتأخر لعقود.
ثالثاً: البترودولار. التعامل باليوان مع إيران وروسيا كان بوابة لكسر احتكار الدولار. سقوط إيران يوجه ضربة قاتلة لهذا المشروع.
رابعاً: التوازن مع أمريكا. انتصار أمريكي ساحق في الشرق الأوسط يعني قدرة واشنطن على التركيز على الصين كعدو رئيسي في المحيط الهادئ.

الخلاصة المرة

العرب الذين يهللون اليوم لإسقاط إيران، يكررون خطيئة أجدادهم. هم يظنون أنهم يتخلصون من عدو، لكنهم في الحقيقة يمهدون لسيطرتهم. هم يظنون أن أمريكا ستكافئهم، لكن التاريخ علمنا أن الغرب لا يكافئ حلفاءه، بل يستخدمهم ثم يتخلص منهم.
الرهان على أمريكا لإسقاط إيران هو رهان خاسر للجميع: للعرب أولاً، ثم لباكستان، ثم لروسيا والصين. الرابح الوحيد هو إسرائيل وأمريكا.
الدرس المستفاد من تجربة الثورة العربية: لا تراهن على الغرب. ابنِ قوتك بنفسك. تحالف مع جيرانك. إيران اليوم، رغم كل شيء، تمثل خط الدفاع الأخير عن كرامة المنطقة. سقوطها يعني سقوط الجميع.
السؤال الذي يجب أن يطرحه العرب اليوم: ماذا بعد إيران؟ هل نضمن أن أمريكا ستحمينا؟ أم أننا سنواجه مصير فلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة؟ التاريخ يعطي الإجابة، لكنهم قوم لا يفقهون!!

تعليق واحد

  1. Things to take away is that Iran was never the same as Ottoman, despite Ottoman were hated the Arab but I believe Iran Hated Arab more, and the other point I may make is anything to topple down Russia, I welcome it.
    Sorry if you find my opinion negative

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *