في مشهدٍ يضيف مزيداً من الضبابية إلى محادثات جنيف بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الملف النووي الإيراني، برز تباين لافت في توصيف نتائج الجولة الثالثة. فقد أعلن الوسيط العُماني، عقب انتهاء الاجتماعات، أن المباحثات أحرزت «تقدماً جيداً»، مشيراً إلى طرح «مقترحات عملية ومهمة جداً»، مع الاتفاق على عقد جولة رابعة خلال أقل من أسبوع.
في المقابل، لاذ الجانب الأمريكي بصمتٍ شبه كامل، مكتفياً بتسريب من مسؤول رفيع وصف الأجواء بأنها «إيجابية»، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة التقدم المُعلن أو مضمونه. وبين التفاؤل العُماني والتحفظ الأمريكي، تبقى مخرجات الجولة الثالثة محاطة بتساؤلات حول حجم الاختراق الفعلي وإمكانية البناء عليه في الجولات المقبلة
هذا الصمت الأمريكي المتعمد ليس فراغاً، بل هو رسالة بحد ذاته. فغياب التصريحات الرسمية من واشنطن يحمل عدة دلالات:
أولاً: إدارة التوقيت السياسي. الإدارة الأمريكية تدرك أن التصريحات المبكرة قد تحرق أوراقها التفاوضية. فالصمت يمنحها مساحة للمناورة، ويبقي الجميع في حالة ترقب. وقد سبق لنائب الرئيس جيه دي فانس أن وضع الإطار قبل أيام، مؤكداً أن المبدأ بسيط: “لا يمكن لإيران أن تمتلك سلاحاً نووياً يسبب لنا مشاكل” .
ثانياً: لعبة العصا والجزرة. واشنطن لا تريد أن تظهر بمظهر المتفائل، لأن التفاؤل قد يخفف الضغط على طهران. وهي في الوقت نفسه لا تريد إعلان الفشل، لأن ذلك قد يسرع سيناريو المواجهة العسكرية التي لا يبدو أنها مستعدة لها بالكامل. مصادر مطلعة تشير إلى أن واشنطن تدرس “خيارين رئيسيين: إما شن ضربة، أو انتزاع اتفاق يقدم للجمهور الأمريكي كإنجاز” .
ثالثاً: الانقسام الداخلي. الضغوط التي تمارسها “صقور” واشنطن على الإدارة حقيقية. فهم يرفضون أي اتفاق قد يصور على أنه “نسخة مخففة” من الاتفاق النووي السابق . هذا الانقسام يجعل الإدارة حذرة في تصريحاتها، خوفاً من إثارة حفيظة التيارات المتشددة داخل واشنطن نفسها.
رابعاً: انتظار رد الفعل الإيراني. الصمت الأمريكي قد يكون اختباراً لجدية طهران. فبعد أن قدمت إيران مقترحاتها، تنتظر واشنطن لترى كيف ستترجم هذه المقترحات في جولات فيينا التقنية المقبلة.
السؤال الأهم الذي يطرح نفسه: هل هذا الصمت مقدمة لصفقة كبرى، أم أنه غطاء لحرب كبرى؟ التحليلات تشير إلى كلا الاحتمالين. البعض يرى أن الحشد العسكري غير المسبوق (حاملتا طائرات، أكثر من 150 طائرة مقاتلة) ليس مجرد ضغط تفاوضي، بل إعداد حقيقي لخيار عسكري . آخرون يرون أن التكلفة الباهظة لأي صراع تجعل الطرفين يفضلان “إدارة التوتر عبر التفاوض” .
في الأيام المقبلة، عندما تبدأ المراجعات الفنية في فيينا، سيتكشف ما إذا كان الصمت الأمريكي مجرد تكتيك تفاوضي، أم أنه مقدمة لقرار مصيري.
بقلم الأستاذ: #الصادق_أمين
موقع #الشرق_الجديد
www.asharqaljadeed.com