فرنسا والجزائر.. عندما يُفسد اليمين المتطرف ما تبقى من الجسور

ما كان يُقال همسًا في دهاليز اليمين المتطرف الفرنسي بات اليوم يُعلن جهارًا من أعلى المنصات السياسية والإعلامية: اتهام مباشر للمسلمين بإفساد الهوية الفرنسية، وتحميل المهاجرين، وفي مقدمتهم الجزائريون، مسؤولية الأزمات البنيوية للدولة.

في السنوات الأخيرة، انتقل خطاب اليمين المتطرف من الهامش إلى المركز، مؤثرًا في صياغة السياسات بل ومهددًا بتشكيل الحكومة في استحقاقات انتخابية قادمة. هذا التحول ليس عابرًا، بل يعكس أزمة هوية فرنسية عميقة، تبحث عن شماعة تعلق عليها فشلها الاجتماعي والاقتصادي.

كل توتر داخلي في فرنسا يُستدعى فيه ملف الجزائر

في هذا السياق، تبرز الجزائر ليس فقط كدولة كانت مستعمَرة، بل كرمز ثقيل في الذاكرة الفرنسية المعذبة. وكل توتر داخلي في فرنسا يُستدعى فيه ملف الجزائر، لا باعتباره شريكًا في الحاضر، بل كمصدر دائم للتشكيك والتوجس. وهكذا، تتحول العلاقات الثنائية إلى رهينة سجالات الهوية الفرنسية المتأزمة..

اليمين المتطرف لا يستهدف الجزائر الرسمية فقط، بل يهاجم ما تبقى من الكرامة الرمزية للجالية الجزائرية

اليمين المتطرف لا يستهدف الجزائر الرسمية فقط، بل يهاجم ما تبقى من الكرامة الرمزية للجالية الجزائرية، تلك التي ساهمت في بناء فرنسا من مواقع الظل: في المصانع، والمستشفيات، والإدارات، وحتى في السلك الأمني. فجأة،

يصبح ابن العامل مهاجرًا دخيلًا، والمواطن المندمج متهمًا بالتقوقع والانفصال.

في مواجهة هذا المد المتصاعد، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء خطاب مضاد واضح ومتماسك، يدافع عن الجالية باعتبارها جزءًا من نسيج وطني فرنسي متعدد، ويكشف زيف الخطابات العنصرية التي تتغذى على الخوف والتجهيل. كما لا يمكن تجاهل أهمية التحرك على المستوى الأوروبي والدولي لفضح الاستغلال السياسي لملفات الذاكرة والهجرة، وطرح بدائل تحمي الحقوق الثقافية والتاريخية للجالية الجزائرية.

أما الجزائر، فعليها أن تفكر بهدوء استراتيجي لا ينساق للعواصف

وفي ظل هذا التوتر المتزايد، تبدو إعادة التوازن في العلاقة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس ضرورة، على أن يتم ذلك من خلال آلية تحفظ الكرامة وتمنع الانزلاق في ردود أفعال انفعالية، دون التفريط في الثوابت. فالتحدي الأكبر لا يكمن في الرد، بل في صياغة موقف استراتيجي يحمي المصالح دون أن يساوم على المبادئ.

فرنسا التي تُلوّح بإقصاء المسلمين، تُقصي في الحقيقة جزءًا من ذاتها. أما الجزائر، فعليها أن تفكر بهدوء استراتيجي لا ينساق للعواصف، ولكن لا يتجاهل أيضًا أن نار الكراهية، إن تُركت دون مقاومة، قد تحرق حتى الجسور الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *