تُقدم الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب «مجلس السلام» على أنه إطار مؤسسي لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة، لكن التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن المبادرة لا تهدف إلى معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال، بقدر ما تقتضيه من اعادة ترتيب نتائجه بطريقة تحافظ على الوضع القائم لصالح الطرف المعتدي. أي أن المبادرة تعمل ضمن واقع تُسيطر فيه إسرائيل على القوة العسكرية والسياسية، بينما يبقى الفلسطينيون محدودو القدرة على التأثير.
في هذا السياق، تُحوّل المبادرة الصراع إلى مسألة إدارة محلية وأمنية، وتُقدّم حزمة حلول تقنية ومالية لإعادة الإعمار وضبط الأمن، دون الاخذ في الحسبان الطبيعة الاستعمارية للاحتلال والاستيطان، وهي العوامل الجوهرية للأزمة التي يعاني منها الفلسطينيون منذ عام 1948.
إن تفكيك مفهوم «مجلس السلام» يقتضي تجاوز مستواه الخطابي المعلن إلى مساءلة وظيفته الجيوسياسية الفعلية ضمن المشهد الإقليمي والدولي الراهن. فالمبادرة، وإن تغلّفت بلغة “إعادة الإعمار” و“الاستقرار طويل الأمد”، تُعيد إنتاج منطق إدارة الصراع بدل إنهائه، يتجلى ذلك عبر عزل قطاع غزة عن سياقه الوطني الفلسطيني الأشمل، وتحويله إلى وحدة سياسية أمنية خاضعة لوصاية متعددة الأطراف. وبهذا المعنى، يبدو ان «مجلس السلام» لن يعمل كأداة لإنصاف الشعب الفلسطيني أو تمكينه من تقرير مصيره، وإنما كآلية لضبط المجال الفلسطيني وإعادة تنظيمه بما يتلاءم مع متطلبات الأمن الإسرائيلي واستمرارية الواقع القائم.
الأخطر في هذا الطرح أنه يُفرغ مفهوم السلام من مضمونه التحرري والقانوني، بحيث لا يكون نتيجة عادلة لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان الحقوق غير القابلة للتصرف كما تم الاتفاق عليه، ليُعاد تعريفه بصفة غياب مؤقت للعنف. فحين يُختزل الصراع في “فشل محلي في الإدارة” أو “غياب سلطة تنفيذية فاعلة”، يتم شطب المسؤولية البنيوية للقوة القائمة بالاحتلال، وتُعاد صياغة القضية الفلسطينية كإشكال تقني قابل للحل عبر مجالس وخطط إشراف، لمحاولة تدريجها في الاخير من روحها المعنوية القائمة في جوهرها كقضية تحرر وطني محكومة بقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
كما أن توقيت إعادة إحياء مثل هذه الصيغ ليس بريئًا، إذ يأتي في لحظة يسعى فيها الفاعل الدولي إلى احتواء تداعيات الجرائم الواسعة في غزة، دون الاضطرار إلى مساءلة إسرائيل سياسيًا أو قانونيًا.، يصبح «مجلس السلام» في نهاية المطاف أداة لإدارة ما بعد الكارثة، دون اي معالجة لأسبابها، وجسرًا للانتقال من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة تطبيع الحصار بصيغة أكثر “إنسانية” و”مؤسسية”.
ولذلك من منظور المصلحة الفلسطينية المشروعة، فإن أي مقاربة للسلام لا تنطلق صراحة من الاعتراف بجذور الصراع الاستعمارية، ولا تضع إنهاء الاحتلال وتفكيك منظومة الاستيطان كشرط مسبق، تظل في فحواها مقاربة منحازة بنيويًا، حتى وإن ادّعت الحياد. وعليه، فإن نقد «مجلس السلام» لا ينبع من رفض السلام كقيمة، بل من رفض تحويله إلى أداة لإدامة الظلم، وإلى غطاء سياسي لإعادة إنتاج اختلال ميزان القوة على حساب الحقوق الفلسطينية الثابتة.
السلام كأداة ضبط لا كحلّ نزاعي
تتعامل الرؤية الترامبية مع السلام بوصفه أداة لإدارة الكتلة السكانية الفلسطينية وضبطها أمنيًا، وليس كمسار سياسي وقانوني يهدف إلى تفكيك منظومات الظلم التاريخي أو تحقيق عدالة انتقالية فعلية تجاه سكان واقعين تحت الاحتلال والحصار. فـ«السلام» في هذا التصور لا ينبع من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما من منطق تقني يسعى إلى خفض منسوب العنف بأقل كلفة ممكنة على الطرف المهيمن. وعليه، يُختزل السلام إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد، منزوع السياق السياسي، ومقرون بإعادة إعمار مشروطة تُستخدم كوسيلة ابتزاز سياسي واقتصادي، بعيد عن اي مبدأ إنساني أو التزام قانوني.
ويبرز «المجلس» المقترح في هذا الإطار كأداة تنفيذية محدودة الصلاحيات، لا تملك سيادة فعلية ولا قدرة على صياغة سياسات مستقلة، إذ يعمل ضمن معادلة ردع وأمن يفرضها الكيان الصهيوني. بذلك، لا يُنتج هذا النموذج سلامًا مستدامًا، بل يؤسس لنمط جديد من السيطرة غير المباشرة، حيث تُنقل أعباء الإدارة اليومية للسكان إلى كيان محلي منزوع الإرادة، فيما تبقى أدوات التحكم قائمة على: الأرض، الحدود، الأمن، والاقتصاد، خارج أي مساءلة. ومن هنا، فإن خطورة الرؤية الترامبية لا تكمن فقط في انحيازها الصريح لإسرائيل، بل في قدرتها على إعادة تعريف السلام نفسه بما يتناقض جذريًا مع جوهر الحقوق الفلسطينية المشروعة
إعادة إنتاج الوصاية عبر هندسة مؤسسية مُفرغة
يرى الكثير من المراقبون ان إنشاء “مجلس فوق محلي” في سياق يخضع للاحتلال دون سيادة حقيقية أو مرجعية قانونية دولية مُلزمة، يؤدي الى إعادة إنتاج الوصاية بصيغة إدارية، بدلا من معالجة غياب السيادة، او حتى بناء حكم ذاتي فعلي، فيُعاد تنظيم هذا الغياب عبر مؤسسات تبدو محلية في شكلها، لكنها تعمل ضمن قيود سياسية وأمنية مفروضة من الخارج.
في هذا السياق، لا يستند المجلس المقترح إلى تفويض شعبي فلسطيني، ولا يعكس تمثيلًا وطنيًا جامعًا، ما يجعله كيانًا إداريًا يُكلَّف بإدارة شؤون السكان اليومية، لا بتمكينهم سياسيًا أو التعبير عن إرادتهم الجماعية. ووفقًا لتجارب مقارنة في بيئات محتلة أو نزاعات غير محسومة، فإن مثل هذه الترتيبات تميل إلى استبدال العمل السياسي بإدارة تقنية للأزمات، وتُسهم في تثبيت الواقع القائم بدل فتح أفق حقيقي لتغييره
تحييد الفاعل الفلسطيني وتفكيك القضية إلى ملفات تقنية
بحكم ان المبادرة تنطلق من مقاربة تقوم على تجزئة القضية الفلسطينية إلى حزمة من الملفات التقنية، مثل الأمن، المعابر، إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية. فإن هذا التفكيك سيؤدي إلى إقصاء البعد السياسي والحقوقي للصراع، حيث لا يُتعامل مع الفلسطيني بوصفه صاحب قضية سياسية وحقوق غير قابلة للتصرف، بل بوصفه متلقيًا للخدمات أو مستفيدًا من ترتيبات إدارية لا اكثر.
على هذا الأساس، يُعاد توجيه النقاش من مسألة التحرر والسيادة وإنهاء الاحتلال، إلى معايير الكفاءة الإدارية والانضباط الأمني. وتكمن دلالة هذا التحول في أنه ينقل مركز الصراع من فضاء السياسة إلى فضاء الإدارة، والشركات المستثمرة، ويستبدل منطق الحقوق بمنطق الشروط، بما يسمح بإدارة الأزمة الفلسطينية بصورة مستقرة شكليًا، من دون الاقتراب من جذورها البنيوية أو متطلبات حلها العادل
الشرعية الدولية الغائبة وحضور القوة الصلبة لإعادة التموضع الصهيوني
تفتقر المبادرة إلى أي إحالة واضحة وملزمة إلى القانون الدولي أو إلى قرارات الشرعية الأممية ذات الصلة، وتستبدل بذلك منطقًا يقوم على التعامل مع “الوقائع القائمة” باعتبارها نقطة الانطلاق وحدود الحل. ويؤدي هذا الانتقال من مرجعية القانون إلى منطق القوة إلى تفريغ مفهوم السلام من بعده المعياري، بحيث لا يعود مرتبطًا بمبادئ العدالة أو الحقوق، بل بموازين القوة السائدة.
في هذا الإطار، يصبح السلام نتاجًا لإرادة الطرف الاسرائيلي المعتدي وقدرته على فرض ترتيباته، لا نتيجة عملية تفاوضية متكافئة تستند إلى قواعد قانونية مشتركة. ونتيجة لذلك، تُقوَّض إمكانية بناء تسوية قابلة للاستمرار، إذ يظل الاستقرار مرهونًا باستمرار التفوق القسري، لا بوجود إطار قانوني يضمن الحقوق ويحدّ من اختلال موازين القوة
خلاصة استراتيجية
إن «مجلس السلام» في صيغته المطروحة لا يقدّم قطيعة مع المقاربات السابقة بقدر ما يعيد إنتاجها ضمن قالب لغوي مُحدَّث، يستعير مفردات الاستقرار والحوكمة لإخفاء استمرار المنطق ذاته: إدارة الصراع بدل معالجته. فالمبادرة لا تستهدف تفكيك البنية الاستعمارية التي تحكم العلاقة بين القوة المحتلة والشعب الواقع تحت الاحتلال، بل تسعى إلى تنظيم آثارها وتقليل كلفتها السياسية والأمنية، محليًا وإقليميًا ودوليًا.
ان جوهر الإشكال هنا لا يكمن في الأدوات المقترحة بحد ذاتها، بل في الإطار الذي تعمل ضمنه. إذ يُفصل السلام عن شروطه الموضوعية إنهاء الاحتلال، تفكيك منظومة الاستيطان، واعتبار الشعب الفلسطيني وحدة سياسية ذات حق في تقرير المصير ويُعاد تعريفه كحالة ضبط أمني واستقرار إداري. وبهذا الفصل، تتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني محكومة بقواعد القانون الدولي، إلى مسألة إدارة سكانية قابلة للمعالجة عبر الترتيبات المؤقتة والمشروطة.
كما أن غياب الاحتكام الملزم للشرعية الدولية لا يشكّل ثغرة إجرائية، وإنما يعكس خيارًا سياسيًا واعيًا، يُبقي القوة خارج المساءلة. وفي هذا السياق، بمدى القدرة على فرض الهدوء، ما يجعل الاستقرار مشروطًا باستمرار اختلال ميزان القوة، لا بتصحيحه او تحقيق العدالة.
وعليه، فإن أي صيغة سلام لا تنطلق من الاعتراف غير القابل للتجزئة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، او لا تُخضع استخدام القوة لمرجعية قانونية دولية ملزمة، ستظل سلامًا وظيفيًا بطبيعته: مؤقتًا، هشًا، وقابلًا للانهيار عند أول تغير في معادلات الردع أو موازين المصالح. فالسلام الذي يُبنى على إدارة الظلم لا يمكنه أن ينتج استقرارًا مستدامًا، بل يؤجل الانفجار ويعيد إنتاج شروطه.