ترمب بين مأزق انتخابي وقانون التمرد.. عدالة مسيّسة وحروب خارجية بلا رادع
الشرق الجديد – متابعات
تكشف استطلاعات رأي أمريكية مأزقاً سياسياً متزايداً للرئيس دونالد ترمب والحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وسط اتهامات لإدارته بأنها تسخّر سلطة القضاء لخدمة سردية تزوير الانتخابات والتشكيك في نزاهتها، واحتمال اللجوء إلى قانون التمرد إذا تحولت نتائج الانتخابات أو تداعياتها إلى أزمة داخلية. وهي أزمة داخلية عميقة، لكنها لا تعفي واشنطن من مسؤوليتها عن الحروب والعدوان والحصار المفروض على شعوب المنطقة، من غزة إلى اليمن وإيران.
وتشير مقالات في “نيويورك تايمز” وموقع “هيل” وصحيفة “آي بيبر” البريطانية إلى أن تلك السيناريوهات تبقى افتراضية، لكنها تعكس مدى تزايد القلق في أمريكا بشأن حدود السلطة التنفيذية ودور المؤسسات في الانتخابات المقبلة. وهذه ليست أزمة إجرائية فقط، بل أزمة بنيوية في نظام يقدّم نفسه نموذجاً للديمقراطية، بينما يستخدم القضاء والإعلام والقوة العسكرية لفرض إرادته في الداخل والخارج.
من البريد إلى المواطنين: قضاء يخدم سردية التزوير
في مقال رأي بـ”نيويورك تايمز”، تقول ليز أوير إن إعلان ترنت مكوتر، القائم بأعمال نائب وزير العدل، اتهام عامل بريد في ولاية يوتا بإتلاف مئات الرسائل، بينها نحو ثلاثمئة بطاقة اقتراع، قدّم القضية للرأي العام بوصفها تهديداً انتخابياً كبيراً. وتوضح الكاتبة أن موظف البريد دامون ماتاي سيي قال إنه كان مرهقاً وأراد تخفيف عبء العمل، وإنه لم يكن لديه — وفق المعطيات المنشورة — قصد للتدخل في الانتخابات.
ومع ذلك، وصفه مكوتر بأنه يشكل خطراً على الجمهور ونزاهة النظام الانتخابي، بينما ظهر هو ووزير العدل تود بلانش على قناة “فوكس نيوز” للدفاع عن القضية. وترى أوير أن هذا المسار يعكس محاولة من قيادة الوزارة لإسناد مزاعم ترمب بشأن تزوير التصويت بالبريد. وتربط الكاتبة ذلك بقضية ديفيد هيرن في ولاية ماريلاند، بعدما أوقفته شرطة الحدائق قرب البركة العاكسة في ناشونال مول بواشنطن، واتُّهم لاحقاً بإتلاف ممتلكات، قبل أن يتراجع الادعاء وتضطر المدعية العامة للعاصمة جينين بيرو إلى إسقاط الاتهام.
وتقول أوير إن القضيتين تظهران انتقال وزارة العدل من استهداف شخصيات سياسية أثارت غضب الرئيس ترمب إلى البحث عن مواطنين يمكن ربطهم بمؤامرات انتخابية مزعومة، في مقارنة مع ما حدث بعد انتخابات 2020 حين حاول مسؤول في الوزارة الدفع بادعاءات مخالفات انتخابية في جورجيا قبل أن تعترض قيادات الوزارة. وهذا المشهد يكشف أن “العدالة” في واشنطن باتت أداة في الصراع على السلطة، لا ضمانة للحقوق والحريات.
شعبية متراجعة وضغوط على الجمهوريين
وبحسب صحيفة “آي بيبر” البريطانية، فإن عدة استطلاعات تشير إلى تراجع شعبية ترمب قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مع بلوغ متوسط عدم الرضا عن أدائه نحو 60%، ووصوله في استطلاع رويترز وإبسوس إلى 66%، بينما أشار استطلاع رويترز إلى تراجع شعبيته إلى 32%. كما يقول سبعة من كل عشرة ناخبين إن تقييمهم لأداء ترمب عامل في قرارهم الانتخابي، بينما يميل الناخبون المستقلون — وفق التقرير — نحو المرشحين الديمقراطيين.
وينقل التقرير عن أكاديميين أن قضايا الهجرة والاقتصاد والرسوم الجمركية وأسعار الوقود تضع الجمهوريين أمام تحديات كبيرة، في وقت يواصل فيه ترمب التدخل في السباقات الانتخابية، ويطلب من الناخبين التعامل معه كأنه على بطاقة الاقتراع. وتشير “آي بيبر” إلى أن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس ستفتح الباب أمام تحقيقات واسعة في إدارة ترمب، وفق تقديرات أكاديميين. وفي المقابل، يواجه الرئيس تحديات إضافية بسبب صداماته مع وسائل الإعلام، وتراجع التأييد بين بعض الناخبين الجمهوريين، وارتفاع تكاليف الوقود في ظل الحرب على إيران.
وهنا يظهر التناقض الأمريكي بجلاء: إدارة تخوض حروباً وتفرض حصاراً وتدعم الاحتلال الصهيوني، ثم تتحدث عن الديمقراطية ونزاهة الانتخابات. فالحرب على إيران، والحصار على غزة، والعدوان على اليمن، ليست قضايا منفصلة عن أزمات واشنطن الداخلية، بل هي وجه آخر لسياسة الهيمنة التي تستهلك موارد الشعوب وتقوّض الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
قانون التمرد.. حدود السلطة وشرعية النتائج
وفي صحيفة “ذا هيل”، تطرح مايرا آدامز احتمال استخدام الرئيس ترمب قانون التمرد قبل الانتخابات أو خلالها أو بعدها إذا نشأت أزمة أمنية أو سياسية، مع التأكيد على أن هذا السيناريو لم يحدث في انتخابات أمريكية من قبل. ويسمح القانون للرئيس باستخدام القوات المسلحة داخل البلاد أو الحرس الوطني في ظروف محددة تتعلق بالتمرد أو الاضطرابات. وتستند آدامز إلى تصريحات سابقة لترمب بشأن “توطين” إدارة الانتخابات، وإلى دعوات من مؤيدين له لتوسيع الدور الفدرالي في العملية الانتخابية.
لكن الكاتبة تشير أيضاً إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أعلن عدم وجود خطط لإرسال قوات فدرالية إلى مراكز الاقتراع، أو الاستيلاء على بطاقات الاقتراع وآلات التصويت خلال انتخابات 2026. وبينما تبقى فرضية استخدام قانون التمرد محل تكهن، فإن الجدل يعكس مخاوف من توسيع الدور العسكري في العملية الانتخابية، ويضع استقلال المؤسسات والالتزام بالقواعد القانونية في صدارة النقاش الأمريكي. وتؤكد هذه التطورات أن معركة الانتخابات لن تدور حول الأصوات وحدها، بل حول حدود السلطة وشرعية النتائج أيضاً.
قراءة “الشرق الجديد”
إن ما يجري في الولايات المتحدة ليس شأناً داخلياً معزولاً. فالإدارة نفسها التي تتحدث عن نزاهة الانتخابات هي التي تدعم الاحتلال الصهيوني في عدوانه على فلسطين، وتواصل حصار غزة، وتشن الحرب على اليمن، وتهدد إيران، وتغض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية، في انتقائية صارخة للقانون الدولي. ومن ثم، فإن مقاومة الهيمنة الغربية على المنطقة العربية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتمسك بحق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة، ليست خياراً سياسياً بل ضرورة أخلاقية وقانونية.
وما تكشفه أزمة ترمب من عدالة مسيّسة ومخاوف من قانون التمرد وتراجع شعبية، لا ينبغي أن يشغلنا عن الملفات المركزية: رفع الحصار عن غزة، ووقف الحرب على اليمن، واحترام سيادة إيران، وإنهاء الاحتلال الصهيوني، وتطبيق القانون الدولي دون انتقائية. إن الطريق إلى التعايش السلمي الحقيقي لا يمر عبر البيت الأبيض ولا عبر حاملات الطائرات، بل عبر مقاومة مشروعة، وحوار إقليمي حر، ورفض الوصاية والابتزاز.
المصادر: آي بيبر + نيويورك تايمز + هيل