في مشهد يناقض كل ما عُرف عنه من ميل واضح إلى الحسم العسكري واستعراض القوة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليعلن إيقاف هجوم كان مقرراً على إيران صباح الثلاثاء. المبرر الذي ساقه: استجابة، “على حد قوله”، لنداءات قادة خليجيين طالبوا بإفساح المجال للدبلوماسية. لكن التمعن في التوقيت والسياق يكشف أن الرواية الرسمية لا تصمد أمام كثير من الأسئلة، وأن ما يُقدَّم على أنه احترام لرغبات الحلفاء ليس سوى غطاء لمأزق أعمق.
رواية تتحدى التاريخ
لم يعرف ترمب في ولايتيه الأولى والحالية حرجاً في تجاوز القانون الدولي ولا في إدارة ظهره لنصائح الحلفاء حين كانت القوة خياراً متاحاً. فحين تعلق الأمر بشن حروب سابقة، لم يستشر، أو حتى يُخبر، دول المنطقة التي شن معظم ضرباته من أراضيها، ولم يكترث بتأمين غطاء أممي. وحين اختطفت إدارته الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية سرية، لم تكترث البتة بالسيادة الوطنية ولا بالقوانين والأعراف الدولية التي تحمي سيادة واستقلال الدول. هذا النمط المتكرر من السلوك يطرح سؤالاً بديهياً: متى كان ترمب يصغي لنداءات الخليجيين أو غيرهم إذا كانت القوة الأميركية قادرة على تحقيق أهدافها؟
حرب لم تُثمر إلا العجز
بعد أشهر من التصعيد العسكري والضربات المتبادلة، خرجت واشنطن وتل أبيب بنتيجة واحدة: إيران لم تُركع، ونظامها لم يهتز، بل أظهر صلابة ميدانية وتفوقاً في الصمود الاستراتيجي. ما كان يُفترض أن يكون حملة خاطفة أقصاها ستة أسابيع لتغيير ميزان القوى أو إسقاط النظام، تحوّل إلى استنزاف مكشوف أثبت أن الترسانة الأميركية، رغم جبروتها، عاجزة عن حسم مواجهة مع دولة تملك عمقاً إقليمياً وقدرة على المقاومة والصمود. في هذا السياق، لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليدرك أن تأجيل الضربة ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة حتمية تفرضها أوهام القدرة التي تحطمت على صخرة الواقع.
دبلوماسية القنابل أم قنابل الدبلوماسية؟
لقد حرص ترمب، في الإعلان نفسه، على إرفاق “مرونته” المفاجئة بجرعة تهديد مكثفة: البنتاغون في حالة تأهب قصوى، الهجوم الشامل جاهز، والتفاوض قد يُستأنف “عبر القنابل” إذا لم تُذعن طهران. بل أعلن إمكانية إبرام اتفاق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهي نقطة تفقد معناها حين نتذكر أن إيران أعلنت مراراً أنها لا تسعى أصلاً لامتلاك هذا السلاح. هذه الازدواجية تكشف حقيقة الموقف: نحن لسنا أمام تحول حمائمي في شخصية الرئيس، بل أمام مناورة كلاسيكية لإعادة إنتاج العجز من بوابة التهديد، بعدما فشل الضغط من بوابة النار اصبح التلويح بالحرب هو غطاء للتراجع عنها، وإظهار القوة هو تمويه للضعف.
وساطة الخليج.. غطاء لا غير
أن يلعب قادة قطر والسعودية والإمارات دوراً دبلوماسياً فهذا مفهوم في سياق البحث عن مخارج لصراع هم الخاسرون الأكبر فيه، لكن تصوير القرار الأميركي وكأنه استجابة خالصة لنصائحهم يطمس حقيقة أن هؤلاء القادة أنفسهم لم يتمكنوا، في محطات سابقة، من ثني إدارة ترمب عن قرارات مصيرية عندما كانت الظروف الميدانية تسمح بالمغامرة. إن استدعاء “الوساطة الخليجية” الآن يوفر مخرجاً مشرفاً لواشنطن من حرب لم تحقق مقاصدها، ويمنح ترمب ما يحتاجه بالضبط: رواية تسمح له بإعادة التموضع تحت سقف “الحكمة” و”احترام الحلفاء”، بدلاً من أن ينكشف أنه أُجبر على وقف هجوم كاد يفضح محدودية القوة الأميركية أكثر مما يلحق ضرراً بإيران.
المقترح الإيراني وإدارة الوقت
في الخلفية، تتسرب تفاصيل عن مقترح إيراني معدّل من 14 بنداً، نقلته باكستان إلى واشنطن، يركز على إنهاء الحرب وبناء الثقة. لكن مسؤولين أميركيين سارعوا إلى وصفه بـ”التحسينات الشكلية”. هذا النفي الأميركي لا يعكس فقط تمسكاً بالمطالب القصوى، بل يشي بأن واشنطن تحتاج إلى إطالة أمد التفاوض بقدر ما تحتاج إلى إظهار أنها لم تتراجع. فكل يوم يمر دون ضربة هو انتصار للدبلوماسية التي كانت مرفوضة، وكل جولة مفاوضات تُؤجل المواجهة التي ثبت أنها بلا أفق.
ترامب يعيد صناعة الفشل
لا يحتاج المرء إلى افتراضات معقدة ليفهم ما حدث. فالولايات المتحدة، التي لم تتوانى عن خرق القانون الدولي واختطاف رؤساء دول حين سنحت لها الفرصة، لم تكن لتردعها وساطة خليجية، لو كان في يدها حقاً حسم عسكري يغيّر وجه المنطقة وليس إيران فقط. ما حدث ليس أكثر من إعادة تدوير للفشل في قالب دبلوماسي، وتحويل الانكفاء القسري إلى “تروٍّ محسوب”. ترمب لم يصبح حمامة سلام، بل صار سياسياً يبحث عن مخرج من مأزق، ويُلبس ثوب الحكمة، على أمل أن ينسى العالم أن صقور الحرب لا تتحول إلى حمامات إلا حين تُقص أجنحتها.
#الأستاذ_الصادق_أمين
ترامب وحمامة السلام عندما تُقص أجنحة الصقور
الصادق أمين
إعلامي, كاتب ومحلل سياسي، خبير تكنولوجيا الإعلام والأمن السيبراني
- اخر تحديث (بتوقيت غرينيتش)
تعليق واحد
الحرب على ايران هي حرب وجود و عقيدتان متناقضتان من الطرف الصهيوني و الإيراني و الحرب الحقيقية هي حرب توسعية صهيونيةً لتحقيق حلم من النهر إلى البحر …ترامب مجبر ان يكون البيدق في يد النتن يا هو لن ترامب محاط بشبه خبراء لا يتمتعون بمقايس الدبلوماسية و لا العسكرية الأمريكية لأنه مدعوم بأموال تخدم فقط اجندة توسع من النهر إلى البحر و توجه ترامب نحو الحرب هو مجبر ربما بدوافع ملفات ابستين
ايران ليست فنزويلا بكل المعايير
الحرب الإيرانية ان أكملت على هده الوثيرة فسيتحطم مشروع سايس بيكو إلى الزوال و تندثر معه الهيمنة الأمريكية في المنطقة و يتجلى هذا بعد تحطيم القواعد العسكرية في الشرق الأوسط معصمه او إخراجها عن العمل جزئيا او كليا
هده الحرب أثبتت ان قواعد الاشتباك تغيرت بدمجها بواقع اقتصادي عالمي آد ان زوال ايران يعني زوال المنطقه برمتها و ادخال العالم في نفق مضلم اسواء من الأزمة العالمية في 1920
امريكا ستتراجع تكتيكيا لان من يملك زمام الحرب و المبادر هو النتن يا هو و المنظومة العالمية التي تقف وائه في الكواليس و علنا
الحرب هي حرب وجود نكون جميعا او لا نكون جميعا