ترامب مؤرخ للاحتلال لا وسيط سلام.. امتدح “ديموقراطية إسرائيل” وتجاهل جثث الأطفال تحت حطام غزة

لا تبدو زيارتا دونالد ترامب إلى تل أبيب وشرم الشيخ حدثين منفصلين، بل فصلين من مسرح واحد يعيد إنتاج الرواية الأمريكية القديمة بثوب جديد؛ روايةٌ تتحدث عن “السلام” بينما تُبارك استمرار الاحتلال، وتدّعي الوساطة وهي تمارس الوصاية في وقت واحد. في تل أبيب أمام الكنيست، حيث ألقى ترامب خطابًا أيديولوجيًا مكتمل الأركان منحازًا للرواية الصهيونية، استدعى فيه مفردات “أرض الميعاد” و“الشعب المختار”، محاولًا برمجة ذهن الجماهير على تناسي حقيقة أرض فلسطين التاريخية التي نُزعت من أصحابها الأصليين عام 1948، يوم اقتُلع أكثر من سبعمئة ألف فلسطيني من بيوتهم لتُقام على أنقاضها دولة عبرية لا مقومات ولا شرعية لها.

 

وساطة على مقاس الاحتلال

ترامب مؤرخ الاحتلال لا وسيط السلام، امتدح “ديمقراطية إسرائيل” من دون أن يرى جدران الفصل العنصري ولا جثث الأطفال المدفونة تحت الركام في غزة

جاءت هذه الجولة للبيت الأبيض تحت ما يسمى “وسطاء سلام” تكملة لخطة ترامب التي عملت على وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة من دون معالجة الجذور الأصلية لهذا الصراع. من خلال منابر اللقاء بدا ترامب وكأنه مؤرخ الاحتلال لا وسيط السلام، فامتدح “ديمقراطية إسرائيل” دون أن يرى جدران الفصل العنصري ولا جثث الأطفال المدفونة تحت الركام في غزة والضفة. كان خطابه أشبه ببيان تأبيدٍ لزمن الاغتصاب، لا بداية لزمن العدالة.

ثم جاءت زيارته إلى شرم الشيخ لتكمّل المشهد. هناك أراد ترامب أن يظهر في هيئة صانع التسويات الكبرى، يجلس على منصة “السلام” محاطًا بزعماء العالم، متحدثًا عن “إعادة الإعمار” و“التهدئة” و“المعابر”، وكأن فلسطين قضية لوجستية لا قضية وطنٍ مسروق.

 

– قمة بلا طرف مُتهم بالإبادة!

 

أظهر غياب إسرائيل عن القمة، بحجة الأعياد الدينية، رفضًا غير مباشر للانخراط في أي التزام فعلي. كثير من المراقبين رأوا أن ما يُسمّى “سلام ترامب” ليس إلا إعادة إنتاج لسيناريو الاحتلال بثوبٍ إنساني منمّق. وقد بدا ذلك من خلال خطاب واشنطن على لسان ترامب، الذي حوّل دماء ما يقارب 70 ألف فلسطيني استُشهدوا خلال السنتين الماضيتين إلى بندٍ في جدول أعمال دبلوماسي، كمحاولة لتفريغ جوهر القضية من معناها التحرري. غير أن شغف الفلسطينيين ظلّ متجهًا نحو استعادة البيت الأكبر وهو الوطن.

 

في تل أبيب بارك ترامب احتلال إسرائيل للأرض، وفي شرم الشيخ حاول أن يُغطي الجرم بأوراق التسوية

 

إن الجمع بين زيارتي تل أبيب وشرم الشيخ يكشف البنية العميقة للسياسة الأمريكية: ففي الأولى بارك ترامب اعتداء الاحتلال على الأرض، وفي الثانية حاول أن يُغطي الجرم بأوراق التسوية. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل معركة هوية وذاكرة وحقٍّ أُريق من البحر إلى النهر، وما سُرق عام 1948 لا يُسترد إلا بالوعي والمقاومة والوحدة الوطنية التي تعيد تعريف الذات في وجه مكائد الاحتلال. إن ما أراد ترامب أن يقدّمه كـ“نهاية للنزاع” أعاد، في الحقيقة، إحياء السؤال الأول: من يملك هذه الأرض؟ والإجابة التي يعرفها التاريخ، حتى وإن أنكرتها السياسة، تقول بوضوح إن فلسطين كاملة للفلسطينيين، وإن كل زيارة أو قمة لا تبدأ من هذا الاعتراف، ليست إلا فصلًا جديدًا من مسرح الخداع الأمريكي في الشرق الأوسط.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *