استيقظت على سيل عارم من الكلام، سيل لم أكن أتوقع أن يبلغ هذا الحد من الحدة والانفعال. عشرات الأصوات، بل مئاتها، خرجت من أفواه الكثير من التونسيين، غاضبة ومستنفرة، بسبب كلمة قالها الرئيس عبد المجيد تبون، حين قال
( “من يهدد تونس.. نخلُولو الخيمة تاع والديه” )..
قرأت وتابعت من افواه التونسيين، من يقول إنه منطق الوصاية، ومن يقول إنها تدخل في الشأن الداخلي، ومن يراها انتقاصا من سيادة تونس، ومن حملها على تأويلات أخرى أخطر من ذلك. وتنوع الخطاب بين الهجوم الحاد وبين العتاب القاسي والرفض السامج، وبين ما هو هادئ ورصين، حتى ضاعت الكلمة الأصلية وسط ضجيج كبير صنعته مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام.
وهنا لا أريد أن أدافع عن أحد، ولا أن أهاجم أحدا، وإنما أتوقف عند مشهد أثار لدي قدرا كبيرا من الدهشة..
كيف يمكن لعبارة واحدة أن تفجر كل هذا الكم من الغضب بين شعبين تجمعهما روابط لا تحتاج إلى شهادة.. !
فالجزائر وتونس ليستا بلدين عاديين في ذاكرة بعضهما البعض. بينهما تاريخ وجغرافيا ودماء ومصالح مشتركة. والجزائر، على مدى عقود، اختارت أن تتعامل مع تونس بمنطق حرارة العلاقات قبل منطق الحسابات الباردة.
لكن الأخوة، مهما كانت عميقة، تحتاج دائما إلى توازن. فليس من الحكمة أن يبقى طرف ينظر إلى العلاقة بمنطق العطاء الدائم، بينما يشعر الطرف الآخر بأنه مطالب بمواقف معينة.
الدول لا تبنى بالعاطفة وحدها، بل بالحكمة والندية والاحترام المتبادل.
وبما أن أصواتا كثيرة تعالت وتباينت بسبب هذا التصريح، دعونا نقول أنه آن الأوان أن ننتقل من مرحلة ( العلاقات الاستثنائية )، إلى مرحلة العلاقات الناضجة. لا رعاية مفرطة من أحد على أحد، ولا شعور بالفضل، ولا انتظار لمقابل. لكل دولة بيتها، ولكل شعب خياراته، ولكل طرف حقه الكامل في أن يصون سيادته وكرامته.
نحن لا نفضل أن تغلق أبواب المحبة، ولكن نريد أن تفتح أبواب الوضوح، ساعد من استطعت، وساند من استطعت، لكن اجعل العلاقة قائمة على الندية، احفظ دارك، ودعني أحفظ داري. بيننا حدود تحميها القوانين، وبيننا أخوة تحفظها القلوب.
إن ما يجمع الشعبين الجزائري والتونسي أكبر من أن تهزه كلمة، وأعمق من أن تفسده موجة غضب عابرة. لكن الحكمة تقتضي أن نعيد ترتيب العلاقة على أساس جديد، الاحترام أولا، والمصلحة المشتركة ثانيا، والمشاعر الأخوية فوق كل سوء فهم.
فخير الجوار ليس أن يعيش أحدنا في ظل الآخر، بل أن يقف كل منا شامخا إلى جانب الآخر.
وكفى الله المؤمنين تلوكا للألسنة، وكفى أصحاب المياه العكرة الذين لا يعيشون إلا على إثارة الغبار بين الأشقاء. فالعلاقات العميقة لا تهزها كلمة، والشعوب الواعية لا تترك للضجيج أن يسرق منها تاريخا من المودة والجوار.