النظام الدولي… أزمة ثقة أم نهاية صلاحية؟

في عام 1994، تخلّت أوكرانيا بموجب مذكرة بودابست عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، مقابل تعهدات أمنية من قوى كبرى. وبعد ثلاثة عقود، تشتعل الحرب على أراضيها.
لا يدخل هذا المقال في سجال حول أسباب تلك الحرب. لكنه يتوقف عند سؤال صار يتردد في كثير من العواصم: ماذا لو لم تتخلَّ كييف عن سلاحها النووي، هل كانت تتفادى الحرب مع جارتها النووية؟
المهم ليس صحة الفرضية، بل أن دولاً كثيرة بدأت تتصرف على أساس أنها صحيحة. فالرسالة التي وصلت إلى العالم لم تعد: «التزم بالقانون وستكون آمناً»، بل صارت: «امتلك من القوة ما يجعل الحرب عليك مكلفة».
وإذا كانت حرب أوكرانيا تكشفت كيف تُقوَّض الضمانات، فإن مأساة غزة تكشف كيف تُقوَّض القرارات.

غزة تحت أعين العالم

لا تزال غزة تعاني الحصار والحرب مع اقتراب الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر 2023، ذلك اليوم الذي أزاح اللثام عن الوجه الأكثر قسوة للنظام الدولي.
ثلاث سنوات لم تكشف فقط حجم المأساة الإنسانية في غزة، بل كشفت هشاشة المنظومة التي أُسست بعد انتصار الحلفاء على النازية لتمنع تكرار مآسي الحرب العالمية الثانية. لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن إبادة جماعية ارتُكبت في غزة، ووثّقت استخدام التجويع ضد المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ. والمحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت.

ومع ذلك استمرت المأساة، وبقي المطلوبون أحراراً. بل بلغت المفارقة حداً يصعب تصوره: بدلاً من تنفيذ المذكرات، فرضت واشنطن عقوبات على قضاة المحكمة ومسؤولي الادعاء فيها. وكأن المشهد انقلب: من لاحقتهم العدالة الدولية ظلوا أحراراً، ومن سعوا إلى تطبيقها وقعوا تحت العقوبات.
وهنا يصبح السؤال أكبر من غزة: ما قيمة القانون الدولي إذا كان العالم يرى الكارثة، ويسمّيها، ويوثّقها، ثم يعجز عن وقفها؟

المشكلة ليست في غياب القوانين… بل في غياب الإرادة

تم غزو العراق عام 2003 من قِبَل تحالف دولي، بذريعة أسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها، وبعد أن تجاوز أصحابه مسار مجلس الأمن. ودُمّرت ليبيا بقرار أممي. واليوم تُضرب إيران بذريعة منعها من امتلاك سلاح نووي، رغم أنها طرف في معاهدة منع الانتشار، وفتحت منشآتها لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي الجهة الأخرى، بقيت إسرائيل خارج معاهدة عدم الانتشار، بترسانة نووية تقدّر بعشرات الرؤوس، من دون مساءلة ولا تفتيش.

أما كوريا الشمالية، فهي تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً، وانسحبت من معاهدة عدم الانتشار عام 2003، وأعلنت أن نزع سلاحها «مستحيل»، وأن وضعها النووي «غير قابل للنقاش». ومع ذلك، لا تُضرب ولا تُحاصر، بل يصف الرئيس الأمريكي زعيمها بأنه «صديقي» و«رجل جيد»، ويقول إنه «يحترمني ويحبني». وهنا يتكشف المنطق الحقيقي: ليست المعاهدات هي من تحمي، ولا الخضوع للتفتيش، ولا حتى امتلاك السلاح التقليدي. الفيصل في هوية الطرف الذي يمتلكه. من كان في «النادي النووي»، أو من يملك ما يجعله غير قابل للضرب، يُعامل باحترام ويُستقبل في القمم. ومن كان خارج هذا النادي، ولو التزم بالمعاهدات وفتح منشآته للمفتشين، يُعاقب ويُحاصر ويُضرب.

وفي الصحراء الغربية، أنشأت الأمم المتحدة عام 1991 بعثة «مينورسو» لتنظيم استفتاء تقرير المصير. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يُنظَّم الاستفتاء. وهنا تلتقي غزة وإيران وكوريا الشمالية والصحراء الغربية، رغم اختلاف طبيعة كل قضية، عند مشكلة واحدة; “هل تمتلك قوة ردع حقيقية ام لا”.

في غزة توجد قرارات ومحاكم، لكن المأساة استمرت. وفي الملف الإيراني توجد معاهدة ووكالة تفتيش، لكن الخلاف انتهى إلى الحرب مدمرة. وفي كوريا الشمالية لا توجد معاهدة ولا تفتيش، لكن لا حرب ولا مساءلة، بل احترام ومصافحة. وفي الصحراء الغربية توجد بعثة أممية، لكن الاستفتاء لم يُنظَّم.

إذن المشكلة ليست في غياب القانون ولا في نقص المؤسسات. المشكلة في نظام دولي يملك القواعد والمواثيق والمحاكم والبعثات، لكنه يعجز، أو يفتقد الإرادة لتطبيقها، أو يطبّقها بانتقائية. وهذه ليست أزمة أخلاقية فقط، بل أزمة أمن دولي. لأنها تدفع دولاً كانت اختارت نزع سلاحها إلى إعادة التفكير في خياراتها. وحين يصبح الانتشار النووي هو العقلاني، والخضوع للرقابة الدولية هو المخاطرة، يكون النظام الذي أُنشئ لحفظ الأمن والسلم الدوليين قد فقد مبررات وجوده. المشكلة ليست في غياب القانون، بل في فقدان الثقة به. وربما تكون هذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها النظام الدولي.

إصلاح النظام الدولي… ضرورة لا شعار

ومع اتساع فجوة الثقة، لم يعد الإصلاح ترفاً. ومن أبرز الأصوات التي دعت إليه منذ عقود، الجزائر. فمنذ سنوات، نادت داخل الأمم المتحدة بضرورة العودة إلى الدور الأساسي الذي أُنشئت من أجله المنظمة، حتى لا تبقى القوة وحدها هي الحكم بين الدول، وحتى لا يعود العالم إلى قانون الغاب الذي قاد البشرية إلى حربين عالميتين.

وقد جعلت الجزائر من إصلاح مجلس الأمن أولوية دائمة في خطابها الأممي، مطالبةً بمجلس أكثر تمثيلاً وعدلاً وفاعلية، وبوضع حد للانتقائية وازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. ولم تكن هذه الدعوة مناسبة موسمية، بل موقفاً ثابتاً جعل الجزائر في مقدمة الدول التي حذّرت من أن أزمة الشرعية في المنظومة الدولية لن تبقى محصورة في مجلس الأمن، بل ستمتد إلى كل قواعد النظام الدولي.

وهذه ليست قضية الجزائر وحدها، ولا قضية إفريقيا والدول النامية وحدها. بل هي قضية عالم بدأ يفقد الثقة في القواعد التي يفترض أن تنظّمه.
فلا يمكن أن نطالب الشعوب باحترام نظام تُطبَّق قواعده بصرامة على البعض وبمرونة على البعض الآخر. ولا يمكن أن نطالب الدول بالتخلي عن منطق القوة إذا كانت التجارب تقول إن القوة نفسها قد تكون أفضل ضمانة للبقاء.

إن العالم اليوم يواجه أزمات لا تقل خطورة عن أزمة النظام الدولي، وهي أزمات لا تحمل جنسية ولا تحترم حدوداً. جائحة كورونا مثلاً عطّلت اقتصاد العالم بأسره، والذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة يحذر خبراء من أنها قد تتحول إلى خطر وجودي على الإنسان إن بقي بلا ضوابط، وتشابك الاقتصاد العالمي جعل أزمة في مضيق بحري بعيد كافية لتهديد الأمن الغذائي على قارات بأكملها.

هذه الأخطار لا تُواجه بالردع ولا بالمحاور ولا بقانون الغاب. فالأوبئة لا تُهزم بالمزيد من الأسلحة، وسباق الذكاء الاصطناعي لا يُضبط بالتنافس، وسلاسل الإمداد لا تُؤمَّن بمعاقبة من يطبّق القانون.
وبينما يستمر الجدل حول من خرق القواعد، ينمو الخطر من دون أن يوقفه أحد. وهذا هو الثمن الحقيقي لانتقائية القانون.

إن إصلاح النظام الدولي ليس مطلباً انتقامياً من القوي، ولا شعاراً تضامنياً مع الضعيف. إنه شرط بقاء للجميع. فالعالم الذي بلغ هذا القدر من العلم والقوة، ولم يبلغ القدر الكافي من الحكمة لتنظيمهما، مآله الأزمات والحروب.

#الأستاذ_الصادق_أمين

اقرأ أيضا