الملف الإيراني: موازنة البقاء وتكتيكات الاحتواء في بيئة شرقية مضطربة
يُطرح الملف الإيراني اليوم في ظل تراكب واضح لعوامل داخلية وخارجية تضع الدولة أمام اختبارات معقّدة، دون أن تصل بالضرورة إلى لحظة قطيعة أو انفجار حاسم. فالوضع الراهن، الذي تصاعدت حدّته عقب احتجاجات، أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 يعد نتاج ضغوط اقتصادية واجتماعية، وتوتر في العلاقات الدولية، الى جانب الحساسية المتزايدة في البيئة الإقليمية. بإعتبارها عناصر تعمل بل ضمن منظومة متداخلة تتغذّى أطرافها بعضها من بعض، تلزم صناع القرار على إدارة دقيقة لموازين الاستقرار والضغط في آن واحد. إدارة “أزمة مركبة” تستدعي استجابات غير تقليدية، بما يفرض على طهران إدارة “أزمة مركبة” تستدعي استجابات غير تقليدية.
في الداخل، تواجه إيران تحديات ناتجة عن اختلالات اقتصادية تراكمية أثّرت في مستوى المعيشة وفي قدرة الاقتصاد على تلبية توقعات المجتمع. وقد أفرز هذا الواقع حراكًا اجتماعيًا متقطعًا، يمكن قراءته بوصفه تعبيرًا عن مطالب معيشية وإدارية بالأساس، أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا بديلًا مكتمل المعالم. فيما يحتل الملف النووي على المستوى الخارجي موقعًا محوريًا في صياغة علاقة إيران مع النظام الدولي. يتجلى ذلك في التفاعل المستمر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وما يرافقه من نقاشات حول مستقبل الاتفاق النووي الإيراني، مما يعكس سعيًا إيرانيًا للحفاظ على توازن دقيق بين الالتزامات الدولية ومتطلبات السيادة الوطنية. ويُنظر إلى هذا الملف بوصفه أحد المفاتيح الأساسية التي تُستخدم لإدارة مستوى الضغط الدولي، صعودًا أو هبوطًا، تبعًا لاتجاهات التفاعل السياسي بين طهران والقوى الكبرى.
وفي هذا الإطار، تبرز البيئة الإقليمية بوصفها عامل توتر إضافي، سيما مع وجود الكيان الصهيوني كعنصر دفع نحو التأزيم البنيوي، ومصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي كونه دخيلا عن النسيج التاريخي والاجتماعي للمشرق العربي، فلطالما سعى لتفكيك مراكز القوة في الإقليم، وإدامة التوترات، واستثمار النزاعات الداخلية في الدول المحيطة، سيما منها التي تُمارَس تحت غطاء سياسي وأمني مباشر من الولايات المتحدة. فالسياسة الإسرائيلية، المدعومة بمظلة أمنية أمريكية،انما تستهدف “المنظومة الإقليمية” التي تقودها طهران. وتمثلت هذه الضغوطات الخارجية في الحرب السيبرانية والاغتيالات النوعية، لمنع نشوء اي قطب اقليمي.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل الضغوط المفروضة على إيران عن سياق أوسع تعمل فيه الخلية الارهابية الاسرائلية على منع تشكّل أي توازن إقليمي قادر على الحد من تفوقها الاستراتيجي والعسكري الذي اطاح بالكيان عقب حرب ال١٢ يوما. ليأخذ هذا الاسلوب الصهيوني الهجين أشكالًا متعددة، من التصعيد الأمني غير المباشر، إلى الحرب السيبرانية، والعمليات الاستخبارية، إضافة إلى الدفع المستمر نحو تشديد العقوبات الدولية. ومع ذلك، فإن هذه الأدوار، على شدّتها، لا تُفسّر وحدها الحراك الداخلي الإيراني، الذي يبقى في جوهره نتاج تفاعلات داخلية، وإن كان يتأثر بالسياق الإقليمي الضاغط.
ما يميز السلوك السياسي الإيراني هو استناده إلى خلفية فكرية ودينية تمنح صانع القرار قدرة عالية على التحمل. ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن البنية الفكرية التي تشكّل منطلقات القرار الإيراني. فالتجربة التاريخية لإيران، بما فيها فترات التدخل الخارجي ومحاولات تطويق دورها الإقليمي، أسهمت في ترسيخ رؤية تعتبر الاستقلال الاستراتيجي شرطًا أساسيًا للاستقرار الداخلي. ومن هنا، يصبح التعامل الحذر مع التهديدات الإقليمية والدولية تعبيرًا عن منطق وقائي متجذّر، لا يقتصر على رد فعل ظرفي لأحداث آنية. مما منح السياسة الإيرانية إطارًا مرجعيًا خاصًا في فهم الشرعية والدور. فهو يشكّل منظومة قيم تضبط مفهوم المسؤولية، والصبر الاجتماعي، وفكرة الاستمرارية في مواجهة الضغوط. ويسهم هذا الإطار في تفسير قدرة الدولة على إدارة الأزمات ضمن سقف معيّن من التوتر، والحفاظ على تماسكها البنيوي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
إقليميًا، تتحرك إيران وفق تصور أمني يعتبر الاستقرار الداخلي مرتبطًا بتوازنات خارج الحدود. فالانخراط في قضايا الإقليم يُفهم ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحييد مصادر التهديد، ومنع نقل الصراعات إلى الداخل، والحفاظ على موقع تفاوضي متقدّم في مواجهة مشروع إقليمي يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على أسس التفكك وعدم الاستقرار.
ذلك ان الملف الإيراني يواجه أزمة واحدة بقدر ما يدير مجموعة أزمات مترابطة ضمن هامش محسوب. تعكس القدرة على الاحتواء والمناورة، مستندة إلى تاريخ طويل، وخبرة متراكمة في التعامل مع التحديات. ومن ثمّ، فإن الفهم الحقيقي لهذا الملف لا يتحقق عبر تتبّع الأحداث فحسب، بل من خلال تحليل المنطق الذي يحكم سلوك الدولة في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالاضطراب البنيوي.