في اللقاء الذي أجراه الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي مع قناة «مكملين» — الرابط موجود في نهاية المقال — يتضح أنه لا يعتمد المعيار نفسه عند حديثه عن مختلف الأنظمة العربية.
فعندما يتعلق الأمر بالمغرب، يشيد بقدرة الملك على احتواء الاحتجاجات، ويحذر من كلفة الثورة على الأمن والاقتصاد والاستقرار، ويدعو إلى إصلاح سياسي يحافظ على العرش والنظام الملكي. لكن عندما ينتقل إلى الجزائر ومصر، تتغير اللغة تماماً، فلا يعود الإصلاح كافياً، بل يصبح «التغيير الجذري للنظام» هو الحل المطلوب. وقد أثارت هذه الازدواجية الجدل حتى داخل البرنامج الذي استضافه، إذ وُجّه إليه سؤال واضح: إذا كانت الثورة خطراً على المغرب، فلماذا لا تكون خطراً كذلك على الجزائر ومصر؟

هذا التناقض لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تفصيل لغوي. إنه يطرح سؤالاً أعمق: لماذا يكون الاستقرار قيمة يجب الحفاظ عليها عندما يتعلق الأمر بنظام ملكي متحالف مع الغرب ومطبّع مع إسرائيل، بينما تصبح الثورة وإسقاط النظام وصفة جاهزة للجمهوريات العربية؟
القضية هنا ليست الدفاع المطلق عن الأنظمة الجمهورية، ولا إنكار حق الشعوب في الحرية والإصلاح ومحاسبة حكامها. القضية هي البحث في الانتقائية التي تحدد الأنظمة التي يُسمح لها بالإصلاح، والأنظمة التي يُطلب إسقاطها من جذورها.
لقد أظهرت العقود الماضية نمطاً لا يمكن تجاهله. احتُل العراق وأُسقط نظامه وفُككت مؤسسات دولته، ثم ضُربت ليبيا من قبل NATO وأسقط نظامها فتحولت إلى ساحة انقسام وصراع. وانزلقت اليمن إلى حرب أهلية مدمرة، ودخل السودان مرحلة انهيار واقتتال داخلي أتى على الأخضر واليابس، وعاشت سوريا حرباً مدمرة طويلة انتهت بسقوط نظامها وتفكيك جيشها وتدمير سلاحها. وفي المقابل، لم تسقط أي ملكية عربية خلال موجة الانتفاضات العربية، رغم أن عدداً منها شهد احتجاجات ومطالب اجتماعية وسياسية واسعة. وتؤكد دراسات مقارنة أن الجمهوريات كانت مركز الانهيارات الكبرى، بينما حافظت الملكيات على بقائها بفضل الثروة والتحالفات الخارجية والاحتواء السياسي والأمني.
قد يقال إن لكل دولة ظروفها، وهذا صحيح. لكن السياسة لا تُقرأ من خلال الحالات المعزولة فقط، بل من خلال اتجاه النتائج: جمهوريات عربية تعرضت للغزو الغربي أو التفكيك أو الحروب الأهلية، بينما بقيت الملكيات الحليفة للولايات المتحدة محمية ومندمجة في منظومة الأمن الغربي.
وجاءت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران لتكشف هذا الواقع بصورة أكثر وضوحاً. فالمنطقة تضم شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في دول ملكية، وبعض هذه المنشآت أُنشئ ليكون مقراً للقيادة أو نقطة انطلاق وتمركز وإمداد للقوات الأميركية في المنطقة. وخلال الحرب تحولت الدول المضيفة لهذه القواعد إلى جزء مباشر في العمليات العسكرية.

وليس من الضروري أن تعلن كل دولة أن طائرة بعينها انطلقت من أراضيها حتى ندرك أن استضافة القواعد والمخازن ومراكز القيادة ومنظومات الدفاع تجعلها جزءاً بنيوياً من الآلة العسكرية الأميركية في المنطقة. فالقواعد لا توضع للزينة، وإنما لمنح واشنطن قدرة على الانتشار والردع والإمداد وإدارة عملياتها العسكرية في المنطقة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لا يخشى المرزوقي على سيادة المنطقة من هذه القواعد والتحالفات؟ ولماذا لا يدعو إلى تغيير جذري للأنظمة التي ربطت أمنها واستمرارها بالقوة الأميركية، بينما يوجه دعوته إلى إسقاط الجمهوريات التي لا تزال تحتفظ بهامش من الاستقلال في مواقفها الخارجية؟
لقد طبّع المغرب رسمياً علاقاته مع إسرائيل سنة 2020 في اتفاق رعته الولايات المتحدة، وتطورت بعده العلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين. ومع ذلك، يتحدث المرزوقي عن ضرورة حماية استقرار النظام المغربي وإصلاحه من الداخل.
في المقابل، لا تزال الجزائر ترفض التطبيع، وتعلن رسمياً تمسكها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وتدعو إلى إنهاء الاحتلال ومحاسبته على جرائمه. ومع ذلك، يقدم المرزوقي النظام الجزائري باعتباره نظاماً ينبغي تغييره جذرياً، لا دولة يمكن إصلاحها والحفاظ على استقرارها.
فهل الاستقرار حق حصري للأنظمة الملكية المندرجة في المحور الأميركي–الإسرائيلي؟ وهل تصبح الفوضى مقبولة عندما تستهدف جمهورية ترفض التطبيع وتدافع عن فلسطين؟
ليس المطلوب إثبات وجود وثيقة سرية تجمع المرزوقي بإسرائيل حتى نطرح هذه الأسئلة. فالتحليل السياسي لا يبحث فقط عن الأوامر المباشرة، بل يدرس أيضاً التقاطع الموضوعي بين الخطاب والنتائج والمشروعات الإقليمية.
وعندما يدعو سياسي عربي إلى المحافظة على نظام مطبّع، ويخشى عليه من الثورة، ثم يطالب في الوقت نفسه بإسقاط نظام جمهوري يرفض التطبيع؛ فمن حقنا أن نسأله عن المعيار الذي يحكم مواقفه، وعن الجهة التي تستفيد سياسياً من هذه الانتقائية.
إن مشروع الهيمنة الأميركي–الإسرائيلي لا يحتاج دائماً إلى عملاء يحملون بطاقات عضوية معلنة. يكفيه أحياناً خطاب عربي يمنح الاستقرار لحلفائه، ويمنح الفوضى لخصومه؛ يحمي الأنظمة المنخرطة في محور التطبيع، ويطالب بتفكيك الدول التي ما تزال تعترض على تصفية القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل المنطقة وفق ميزان القوة الإسرائيلي.
ومن هنا نختم بالسؤال المشروع الذي يفرضه كلام المرزوقي نفسه:
هل يعبر المنصف المرزوقي فعلاً عن مشروع ديمقراطي متماسك، أم أصبح بخطابه الانتقائي عراباً عربياً لأطروحة تخدم مشروع الهيمنة الصهيونية؛ فتحمي المملكات الخاضعة و التابعة، وتستهدف ما بقي من الجمهوريات الرافضة للتطبيع والسيطرة الإسرائيلية على المنطقة؟
غير أن خطورة اللحظة العربية تفرض علينا ألا نتوقف عند تناقضات هذا السياسي أو ذاك، ولا أن نحول الخلافات الفكرية والسياسية إلى وقود لمزيد من الانقسام. فالعالم العربي اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب مسؤول يخفف التوتر، ويحفظ الدول من الفوضى، ويفتح باب الإصلاح من داخلها، بعيداً عن التحريض والاستقطاب والتصنيف.
ومن هنا، فإن الواجب الأكبر يقع على عاتق المثقفين والمفكرين والإعلاميين العرب، لكي يتجاوزوا معارك الهدم المتبادل، ويتجندوا لإصلاح ذات البين، وإعادة بناء الثقة بين الشعوب والدول، والتفكير بجدية في واقع أمة أنهكتها الحروب والانقسامات. فما يحتاجه العرب اليوم ليس إسقاط مزيد من الدول، بل إنقاذ ما بقي منها، وإصلاح مؤسساتها، وبناء مشروع نهضوي يعيد للأمة وحدتها وكرامتها ومكانتها.
#الأستاذ_الصادق_أمين