الفرنسية.. الغنيمة التي تحولت إلى قيد وعبء استعماري

ما أكثر الأصوات التي استفاقت فجأة، وقرعت أجراس الخطر، وهالها أن الدولة قررت اجتثاث الفرنسية من السنوات الأولى للتعليم الابتدائي!

غريب أمر هذه الأصوات… لا نكاد نسمع لها همسا حين تمر الجزائر بمحن حقيقية، ولا نراها تنتفض دفاعا عن قضايا تمس سيادتها وهويتها ومصالح شعبها، لكنها تستنفر كل طاقتها عندما يتعلق الأمر بموقع لغة فرضها الاستعمار، ثم استمرت بعد الاستقلال في التمدد داخل المدرسة والإدارة ومفاصل الدولة.

ولننظر قليلا إلى إفريقيا.

رواندا كانت الفرنسية فيها لغة الإدارة والتعليم والنخبة، كما الأمر عندنا إلى حد كبير. لكنها حين أعادت النظر في خياراتها اللغوية، واتجهت إلى الإنجليزية، لم تسقط، ولم تفقد هويتها، ولم تغلق أبوابها على العالم. بل أصبحت اليوم من الدول الإفريقية التي يشار إليها بالبنان في مجالات الاقتصاد والإدارة والحضور السياسي.

فما الذي يمنع الجزائر من أن تعيد هي الأخرى ترتيب أوراقها وفق مصالحها الوطنية؟ ثم يخرج علينا من يقول: إن الفرنسية غنيمة حرب !

عندما تتحول اللغة الفرنسية من غنيمة حرب إلى عبء لستعماري من بقايا الحرب 

حسنا.. حتى لو سلمنا جدلا بهذا التعبير، فالغنيمة ليست عهدا أبديا، وليست قدرا مكتوبا على الأجيال أن تورثه جيلا بعد جيل.

الغنيمة تؤخذ من الخصم بعد انتهاء المعركة، لكنها لا تتحول إلى وصاية دائمة على صاحبها. والاستقلال الحقيقي يعني أن نقرر نحن ماذا نحتفظ به، وماذا نتركه، وماذا نستبدله، وماذا نطوره.

ثم إن السؤال الأهم: ماذا لو تحولت الغنيمة، بعد عقود من الزمن، من مكسب إلى عبء؟ وماذا لو أصبحت، بدل أن تكون أداة معرفة، وسيلة لإعادة إنتاج التبعية داخل المدرسة والإدارة والعقل؟

عندها لا تعود المسألة مسألة ( غنيمة حرب)… بل تصبح بقايا حرب انتهت، وآن أوان دفن مخلفاتها.

نحن لا نحارب اللغة الفرنسية، ولا ندعو إلى منعها. اللغة معرفة، والمعرفة لا عدو لها، لكننا نرفض أن تتحول لغة أجنبية إلى معيار للتمدن، أو إلى بوابة للوظيفة، أو إلى شرط ضمني للترقية والصعود العبثي، أو إلى سلطة رمزية تجعل الجزائري يشعر بأن لغته الوطنية أقل قيمة داخل مؤسسات دولته.

 

لقد حررنا الأرض من الاستعمار، ومن حقنا اليوم أن نحرر المدرسة والإدارة والعقل من آخر رواسبه.

وإذا كانت بعض الأصوات ترى في إعادة الاعتبار للعربية، وتعزيز حضور الإنجليزية، وتوسيع خيارات الجزائر اللغوية خطرا، فنحن نراها بالعكس خطوة نحو تكريس السيادة بنفهومها الواسع.

فالجزائر ليست مطالبة بأن تعيش إلى الأبد داخل قاموس الاستعمار حتى تثبت أنها متحضرة. نحن نريد لغات العالم كلها، لكننا نريدها أدوات في أيدينا، لا قيودا في أعناقنا.

نريد أن يتعلم أبناؤنا الفرنسية والإنجليزية وغيرها، ولكن نريد قبل ذلك أن يدخلوا المدرسة وهم يعرفون أن لغة وطنهم ليست لغة درجة ثانية، وأن الإدارة التي يخدمون فيها ليست امتدادا لإدارة استعمارية رحلت منذ أكثر من ستة عقود.

إنها ليست حربا على لغة… إنها معركة من أجل أن يكون القرار اللغوي جزائريا.

لقد انتهى الاستعمار، وانتهت معه الغنيمة، وما بقي منها لا ينبغي أن يتحول إلى إرث مقدس، ولا إلى أداة لإبقاء أجيال كاملة أسيرة خيارات فرضها المستعمر يوما.

فالاستقلال الذي حرر الأرض، عليه أن يحرر العقل أيضا.

ومن لا يستطيع أن يفهم هذه البديهية، فليعد قراءة معنى الاستقلال.

 

ما أكثر الأصوات التي استفاقت فجأة، وقرعت أجراس الخطر، وهالها أن الدولة قررت اجتثاث الفرنسية من السنوات الأولى للتعليم الابتدائي!

غريب أمر هذه الأصوات… لا نكاد نسمع لها همسا حين تمر الجزائر بمحن حقيقية، ولا نراها تنتفض دفاعا عن قضايا تمس سيادتها وهويتها ومصالح شعبها، لكنها تستنفر كل طاقتها عندما يتعلق الأمر بموقع لغة فرضها الاستعمار، ثم استمرت بعد الاستقلال في التمدد داخل المدرسة والإدارة ومفاصل الدولة.

ولننظر قليلا إلى إفريقيا.

رواندا كانت الفرنسية فيها لغة الإدارة والتعليم والنخبة، كما الأمر عندنا إلى حد كبير. لكنها حين أعادت النظر في خياراتها اللغوية، واتجهت إلى الإنجليزية، لم تسقط، ولم تفقد هويتها، ولم تغلق أبوابها على العالم. بل أصبحت اليوم من الدول الإفريقية التي يشار إليها بالبنان في مجالات الاقتصاد والإدارة والحضور السياسي.

فما الذي يمنع الجزائر من أن تعيد هي الأخرى ترتيب أوراقها وفق مصالحها الوطنية؟ ثم يخرج علينا من يقول: إن الفرنسية غنيمة حرب !

حسنا.. حتى لو سلمنا جدلا بهذا التعبير، فالغنيمة ليست عهدا أبديا، وليست قدرا مكتوبا على الأجيال أن تورثه جيلا بعد جيل.

الغنيمة تؤخذ من الخصم بعد انتهاء المعركة، لكنها لا تتحول إلى وصاية دائمة على صاحبها. والاستقلال الحقيقي يعني أن نقرر نحن ماذا نحتفظ به، وماذا نتركه، وماذا نستبدله، وماذا نطوره.

ثم إن السؤال الأهم: ماذا لو تحولت الغنيمة، بعد عقود من الزمن، من مكسب إلى عبء؟ وماذا لو أصبحت، بدل أن تكون أداة معرفة، وسيلة لإعادة إنتاج التبعية داخل المدرسة والإدارة والعقل؟

عندها لا تعود المسألة مسألة ( غنيمة حرب)… بل تصبح بقايا حرب انتهت، وآن أوان دفن مخلفاتها.

نحن لا نحارب اللغة الفرنسية، ولا ندعو إلى منعها. اللغة معرفة، والمعرفة لا عدو لها، لكننا نرفض أن تتحول لغة أجنبية إلى معيار للتمدن، أو إلى بوابة للوظيفة، أو إلى شرط ضمني للترقية والصعود العبثي، أو إلى سلطة رمزية تجعل الجزائري يشعر بأن لغته الوطنية أقل قيمة داخل مؤسسات دولته.

 

لقد حررنا الأرض من الاستعمار، ومن حقنا اليوم أن نحرر المدرسة والإدارة والعقل من آخر رواسبه.

وإذا كانت بعض الأصوات ترى في إعادة الاعتبار للعربية، وتعزيز حضور الإنجليزية، وتوسيع خيارات الجزائر اللغوية خطرا، فنحن نراها بالعكس خطوة نحو تكريس السيادة بنفهومها الواسع.

فالجزائر ليست مطالبة بأن تعيش إلى الأبد داخل قاموس الاستعمار حتى تثبت أنها متحضرة. نحن نريد لغات العالم كلها، لكننا نريدها أدوات في أيدينا، لا قيودا في أعناقنا.

نريد أن يتعلم أبناؤنا الفرنسية والإنجليزية وغيرها، ولكن نريد قبل ذلك أن يدخلوا المدرسة وهم يعرفون أن لغة وطنهم ليست لغة درجة ثانية، وأن الإدارة التي يخدمون فيها ليست امتدادا لإدارة استعمارية رحلت منذ أكثر من ستة عقود.

إنها ليست حربا على لغة… إنها معركة من أجل أن يكون القرار اللغوي جزائريا.

لقد انتهى الاستعمار، وانتهت معه الغنيمة، وما بقي منها لا ينبغي أن يتحول إلى إرث مقدس، ولا إلى أداة لإبقاء أجيال كاملة أسيرة خيارات فرضها المستعمر يوما.

فالاستقلال الذي حرر الأرض، عليه أن يحرر العقل أيضا.

ومن لا يستطيع أن يفهم هذه البديهية، فليعد قراءة معنى الاستقلال.

 

 

تعليق واحد

  1. الثقة تخلق في ارض الميدان بين القمة و القاعدة الحوار بينها شبه معدوم لان المشكلة تكمن في الطبقة الوسطى ( الإدارة بكل أصنافها و شرائحها )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *