السلام المستحيل: الاحتلال الإسرائيلي كعامل بنيوي معطِّل للتسوية السياسية
-
تُقاس فعالية عمليات السلام في النظام الدولي بمدى التزام الأطراف بالقواعد القانونية والمؤسسية المنظمة للنزاعات، وليس بعدد المبادرات المطروحة أو كثافة الرعاية الدبلوماسية المصاحبة لها. ومن هذا المنطلق، يكشف تحليل إخفاق مسارات السلام في الشرق الأوسط، وخصوصًا في فلسطين بما فيها قطاع غزة، أن العامل الحاسم في تعطيل هذه المسارات يكمن في سلوك الكيان الصهيوني كقوة احتلال معتدية، مما يؤكد أن أي محاولة للسلام لا يمكن أن تنجح ما لم تُراعَ شرعية الحقوق الفلسطينية التي تقتضي باحقية اقامة دولة عربية فلسطينية من البحر الى النهر.
هذه المرة شهدت التسوية السياسية دعما اضافيا بفضل الجهود الدولية ولاسيما الامريكية، لاحلال السلام في غزة والشرق الاوسط الا ان الكيان الاسرائيلي بقي دوما الطرف المعرقل لأي وساطة او اتفاق سلام، اخرها خرق اتفاقية وقف اطلاق النار بين اسرائيل وحركة حماس الفلسطينية التي دخلت حيز التنفيذ يوم العاشر من اكتوبر 2025.
إن أي عملية سلام، وفق المنهج الواقعي المؤسسي، تفترض وجود أطراف تعترف أصلًا بمبدأ التسوية السياسية وبحدود استخدام القوة العسكرية، وتلتزم بتنفيذ الاتفاقيات بحسن نية. غير أن الكيان الصهيوني تعامل تاريخيًا مع اتفاقيات وقف إطلاق النار كأدوات تكتيكية مؤقتة لإدارة الصراع. ويتجلى هذا النمط بوضوح في الخروقات المتكررة لاتفاقيات التهدئة، بما فيها الاتفاق الذي أُعلن دخوله حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر، والذي لم يصمد أمام استمرار العمليات العسكرية والعقابية بحق المدنيين الفلسطينيين، بما يُسقط شرط حسن النية المنصوص عليه في القواعد العامة للقانون الدولي.
وعلى المستوى القانوني، لا يمكن فصل إخفاق السلام عن طبيعة العلاقة القائمة على الاحتلال. فوفق لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يُعد الكيان الصهيوني قوة احتلال تتحمل التزامات محددة تجاه السكان المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة، رغم الادعاءات الإسرائيلية بشأن انتهاء السيطرة المباشرة. ويُفضي هذا التوصيف إلى نتيجة جوهرية مفادها أن ما يجري ليس نزاعًا بين طرفين متكافئين، بل حالة احتلال وعدوان مستمر، الأمر الذي يجعل أي مسار سلام يُبنى على تجاهل هذه الحقيقة مسارًا شكليًا فاقدًا لأسسه القانونية.
ويُظهر السلوك الميداني الإسرائيلي انتهاكًا ممنهجًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، من خلال القصف واسع النطاق، والحصار المفروض على قطاع غزة، وسياسات العقاب الجماعي. وتحظر المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي صراحة، وتُجرِّم الإجراءات التي تستهدف السكان المدنيين بوصفهم جماعة تهديد. وعليه، فإن استمرار هذه السياسات لا يُقوِّض فقط فرص السلام، وانما ينفي إمكانية قيامه أصلًا، ذلك ان السلام لا يمكن أن يتعايش مع منظومة قانونية تُجرِّم الوجود المدني ذاته.
تتجلى ايضا مظاهر افشال السلام والتصعيد والعدوان ضد كل ماهو فلسطيني، في السجون الإسرائيلية اين حولتها قوات الاحتلال الى ساحة صراع موازية، تُمارَس فيها أنماط ممنهجة من الاعتقال القسري، وسوء المعاملة، وحرمان الأسرى من الضمانات القانونية، في انتهاك صريح لاتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويعكس هذا السلوك تصورًا أمنيًا يرى في الفلسطيني فردًا وجماعة تهديدًا دائمًا، لا فاعلًا سياسيًا يمكن إدماجه في تسوية سلمية، ما يُفرغ خطاب السلام من أي مضمون عملي.
أما على صعيد الدور الدولي، ولا سيما الجهود الأمريكية، فإن الإخفاق لا يعود إلى قصور في أدوات الوساطة بقدر ما يعود إلى انعدام الإرادة السياسية في مساءلة الطرف الإسرائيلي. فقد أسهمت الرعاية غير المتوازنة، وتوفير الغطاء الدبلوماسي لانتهاكات موثقة، في تكريس اختلال بنيوي لدى ميزان المسؤولية، حيث تُدار الأزمات بدل من ايجاد حل جذري لها كما تُضفى الشرعية على الخرق لتخرج في الاخير بتوصيات تفتقر للحقوق الفلسطينية المشروعة.
ورغم وضوح المرجعيات القانونية الدولية، كما تجسده قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ولا سيما القرارات 242 و338 و446 و2334 التي أكدت عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة وعدم شرعية الاستيطان، إلا ان غياب آليات إلزامية لإنفاذ هذه القرارات جعلها مرجعية رمزية بلا أثر فعلي، فيما أسهم هذا الفراغ التنفيذي في تمكين الكيان الصهيوني من الاستمرار في سياساته دون تكلفة قانونية أو سياسية حقيقية، ما شكّل عاملًا إضافيًا في إفشال عمليات السلام.
من منظور استراتيجي شامل، لا يمكن عزو فشل السلام فقط إلى التعقيدات الإقليمية أو كثرة الأطراف المتدخلة. فالمشكلة الأساسية تكمن في وجود طرف احتلالي يرفض الالتزام بالقانون الدولي ويصر على إدارة الصراع بالقوة. هذا السلوك يجعل أي عملية سلام محكومة بالفشل من جذورها، لأن السلام لا يمكن أن يُبنى في ظل مشروع استيطاني توسعي يهدف إلى نفي الآخر وإدامة السيطرة عليه. بعبارة أخرى، الخلل البنيوي يكمن في طبيعة الطرف الإسرائيلي نفسه، الذي يعرقل كل محاولة للسلام عمليًا، مهما كانت المبادرات أو الوساطات الدولية قوية
خاتمة
تبقى الجهود الدولية محكومة بالدوران في حلقة مفرغة، حيث تُدار الوقائع بالقوة ويُستبعد السلام كخيار واقعي وفعلي مادامت أزمة السلام في فلسطين أزمة امتثال للقانون الدولي ومساءلة دولية حقيقية. ما لم يُفهم الصراع على أنه احتلال مستمر وعمل عدواني ممنهج، فيما تُشترط أي عملية سياسية مستقبلية على التزامات قانونية ملزمة ومرجعية دولية واضحة.