الرغوة العراقية

يكفي أن نتابع القنوات الفضائية العراقية لنفهم حجم التشظي الذي يعيشه البلد. فالإعلام، الذي يُفترض أن يكون منبراً عاماً يعبّر عن هموم المواطنين جميعاً، تحوّل إلى فسيفساء من المنابر الحزبية والطائفية. كل قناة تبث خطابها الخاص، وتخاطب جمهورها الخاص، وتصنع عالماً داخلياً منعزلاً عن الآخرين. هكذا ينقسم الرأي العام بين فقاعات إعلامية متجاورة، لا يجمعها فضاء عمومي مشترك بقدر ما تفرّقها مصالح وانتماءات ضيقة.

ظلّ مفهوم الفضاء العمومي عند يورغن هابرماس أحد أكثر التصورات جاذبية في الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث. فقد تخيّل فضاءً حراً يلتقي فيه المواطنون على أرضية مشتركة، يناقشون قضاياهم بعيداً عن قبضة الدولة وضغوط السوق، فيتأسس بذلك مجتمع مدني عقلاني يجعل الحوار أساساً للديمقراطية. بدا هذا التصور، في لحظته التاريخية، بمثابة وعد بأن التنوير يمكن أن يتحقق عبر الكلمة الحرة والنقاش العام.

لكن هذا الحلم واجه نقداً قاسياً مع بيتر سلوتردايك. ففي ثلاثيته Spheres (الفقاعات – الكرات – الرغوة)، رفض سلوتردايك فكرة أن البشر يعيشون في فضاء عمومي واحد. العالم في نظره أشبه برغوة هائلة: ملايين الفقاعات الصغيرة التي تمثل العوالم الداخلية للجماعات والأفراد، كل واحدة منها مغلقة على نفسها، لكنها متجاورة مع غيرها دون أن تذوب في وحدة جامعة. وهكذا، تتحول صورة العالم من ساحة عمومية واحدة إلى رغوة متشظية، بلا مركز، بلا فضاء مشترك، بل عوالم صغيرة متراصة تتعايش أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى.

عند هذه النقطة يطرح السؤال نفسه: أي الصورة أقرب إلى الواقع العراقي؟ هل نعيش فعلاً فضاءً عمومياً حراً جامعاً كما تخيله هابرماس؟ أم أننا نغرق في رغوة سلوتردايك، حيث الطوائف والقوميات والأحزاب والمناطقية والفضاءات الرقمية، كل منها يتحرك داخل فقاعة مغلقة؟

الجواب يبدو أقرب إلى التشخيص الثاني. فخلال العقدين الأخيرين، تعمّق في العراق نمط من التشظي الاجتماعي والسياسي، فتحوّلت البنية الوطنية إلى فقاعات متجاورة: (طائفية، قومية، مناطقية، وحزبية)، بل وحتى فضاءات رقمية منفصلة، لكل منها عالمها الخاص. كل فقاعة تصنع سرديتها الخاصة وتتنفس داخل عالمها الضيق، لكنها تظل عاجزة عن خلق هواء مشترك يوحّدها في إطار وطني أوسع. هذه الرغوة المتشظية تجعل من كل أزمة سياسية أزمة هوية أيضاً، وتجعل من الفضاء العمومي هشاً، متنازعاً، مفتّتاً.

ومع ذلك، فإن التشظي ليس قدراً نهائياً. هنا تبرز أهمية المجتمع المدني بوصفه القوة القادرة على وصل الفقاعات ببعضها. فحين يكون المجتمع المدني مستقلاً عن الدولة والسوق، فإنه يوفر الهواء اللازم للرغوة كي تتحول إلى فضاء تواصلي أوسع. لكن حين يُختطف المجتمع المدني من قبل القوى الحزبية أو الاقتصادية، فإنه يفقد وظيفته، ويعود الواقع إلى صورته الرغوية المتشظية.

إن الفلسفة هنا لا تكتفي بالتشخيص، بل تدفعنا إلى إعادة التفكير: إذا كان العراق يعيش اليوم كرغوة من الفقاعات المتجاورة، فهل يمكن تحويل هذه الرغوة إلى طاقة إيجابية، بحيث يصبح التعدد مصدر ثراء بدل أن يكون عامل تفكك؟ أم أن الفقاعات ستظل مغلقة على نفسها، فتترك الوطن في حالة انقسام دائم؟

إنها ليست مجرد مقارنة بين هابرماس وسلوتردايك، بل هي مرآة لوضعنا العراقي. فبين حلم الفضاء العمومي وواقع الرغوة المتشظية، يبقى السؤال معلّقاً: هل يستطيع العراق أن يجد مركزاً جامعاً يصنع هواءً مشتركاً بين جميع الفقاعات، أم أن الرغوة ستظل قدره الذي يبدد طاقته ويمنعه من التماسك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *