في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد العلاقات الدولية تُدار بالطريقة التي كانت عليها قبل عقد أو عقدين. التحالفات تتبدل، والخصومات تتحول إلى شراكات، والشركاء يختلفون في ملف ويتعاونون في ملف آخر، فيما أصبحت الدول أكثر حرصاً على حماية مصالحها وسط نظام دولي يتجه بوضوح نحو التعددية القطبية.
ولعل السياسة الخارجية التركية تقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول، ليس باعتبارها نموذجاً ينبغي تقليده، وإنما باعتبارها تجربة تكشف كيف يمكن للدول أن تعيد ترتيب علاقاتها عندما تتغير مصالحها وموازين القوى.
فتركيا التي وقفت طويلاً في مواجهة مصر بعد سقوط حكم الإخوان، أعادت بناء علاقاتها مع القاهرة. والتي دخلت في مواجهة سياسية حادة مع السعودية على خلفية قضية جمال خاشقجي، أصبحت اليوم شريكاً لها في ترتيبات أمنية ودفاعية. وفي ليبيا، انتقلت من دعم حكومة طرابلس ومواجهة قوات خليفة حفتر إلى فتح قنوات مباشرة مع شرق ليبيا وعائلة حفتر.
هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن أنقرة تخلت عن مواقفها السابقة، وإنما تكشف أن الدولة عندما تتغير حساباتها تستطيع أن تعيد ترتيب علاقاتها من دون أن تعتبر الخلافات القديمة حواجز دائمة أمام مصالحها الجديدة.
لكن التجربة التركية تحمل أيضاً تناقضاتها ومخاطرها، ولذلك لا يتعلق الأمر بتقديمها كنموذج ناجح أو مثالي، وإنما بفهم حقيقة أصبحت تفرض نفسها على العلاقات الدولية: الدول لا تدير علاقاتها الخارجية بالعواطف، ولا بالصداقات او الخصومات الدائمة، وإنما بالمصالح الدائمة.
فالجزائر تملك تقاليد راسخة في سياستها الخارجية، تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورفض تغيير الأنظمة بالقوة، والدفاع عن استقلال القرار الوطني. وهذه ليست مواقف ظرفية، بل جزء من تاريخ الدولة الجزائرية وتجربتها السياسية وثابت من ثوابت ثورتها المجيدة.
غير أن الحفاظ على هذه الثوابت لا يعني أن أدوات السياسة الخارجية يجب أن تبقى ثابتة أيضاً.فالثوابت السياسية لا تتغير بينما الأدوات السياسية تتغير باستمرار لتواكب التحولات الدولية الكبرى.
فالجزائر اليوم تواجه محيطاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي تشكلت فيه سياستها الخارجية خلال العقود الماضية. الساحل يعيش اضطرابات عميقة، ليبيا المنقسمة بين شرق وغرب ما زالت تبحث عن تسوية نهائية، البحر المتوسط أصبح ساحة تنافس دولي، وأوروبا تعيد تعريف مصالحها، بينما تتقدم تركيا وروسيا والصين والولايات المتحدة كلاعبين مؤثرين في محيط الجزائر.
واللافت أن الجزائر بدأت بالفعل في إظهار قدرة أكبر على إعادة ترتيب علاقاتها عندما تفرض المصلحة ذلك.
فبعد أزمة حادة مع مالي، فتحت قنوات الحوار بين البلدين. وبعد أزمة طويلة مع إسبانيا، عادت العلاقات إلى مسار أكثر هدوءاً، مع إدراك الطرفين أن المصالح الاقتصادية والأمنية والجغرافية أكبر من أن تُدار بمنطق القطيعة الدائمة.
وهذه التحولات لا تعني تغيير الموقف الجزائري من القضايا التي تتمسك بها، وإنما تعني شيئاً أكثر أهمية: الفصل بين الخلاف السياسي والمصلحة الوطنية.
فالاختلاف مع دولة حول قضية معينة لا يعني بالضرورة قطع كل قنوات التواصل معها، كما أن التعاون في ملف لا يعني تبني مواقفها في الملفات الأخرى.
فالجزائر ليست مطالبة بأن تصبح تركيا، ولا أن تتبنى أسلوب أنقرة في إدارة علاقاتها. لكن من المهم أن تدرك أن العالم الذي تتحرك فيه لم يعد يسمح بعلاقات تقوم على ثنائية الصديق والخصم.
قد تكون دولة ما منافساً في ملف وشريكاً في ملف آخر. وقد تختلف الجزائر مع دولة حول قضية إقليمية، لكنها تحتاج إليها في الطاقة أو التجارة أو الأمن أو الاستثمار. وقد تتغير مواقف حكومة ما، فتتغير معها مساحة المصالح المشتركة.
وهذا ينطبق أيضاً على ليبيا. فالجزائر لا تحتاج إلى تغيير موقفها من وحدة ليبيا أو سيادتها حتى تتعامل مع جميع القوى الليبية المؤثرة. وإذا أصبح شرق ليبيا لاعباً أساسياً في أي تسوية مستقبلية، فإن التواصل معه لا يعني بالضرورة تبني مشروعه السياسي أو العسكري، بل يمكن أن يكون جزءاً من سياسة تحمي المصالح الجزائرية وتمنع ترك المجال لقوى أخرى لتحديد مستقبل دولة تقع على حدودها.
والأمر نفسه ينطبق على الساحل. فالجزائر لا تستطيع تغيير جغرافيتها، ولا اختيار حكومات جيرانها، لكنها تستطيع أن تختار مستوى علاقاتها معهم، وأن تحافظ على قنوات الحوار حتى في أصعب الظروف. فالتهدئة مع مالي، مثلاً، لا تعني أن كل الخلافات اختفت، وإنما تعني أن إدارة الخلاف أصبحت أكثر عقلانية من تركه يتحول إلى أزمة دائمة.
فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني الابتعاد عن الجميع، كما أن الانفتاح لا يعني الارتهان لأحد. والقوة الدبلوماسية ليست في أن يكون للجزائر أصدقاء كثيرون أو خصوم قليلون، وإنما في أن تكون قادرة على التحدث مع الجميع، والتعاون مع من تتقاطع مصالحها معه، والاختلاف مع من تختلف معه، من دون أن تفقد قرارها المستقل.
فالسياسة الخارجية الناجحة ليست التي لا تغير مواقفها أبداً، وإنما التي تعرف متى تتمسك بالثابت، ومتى تغير الأداة، ومتى تفتح الباب أمام خصم الأمس ليصبح شريكاً في مصلحة اليوم.