الجزائر.. تغيير جديد على رأس “سوناطراك” يعكس ديناميكية قطاع الطاقة

|

في خطوة تؤكد استمرار الحراك داخل هرم قطاع الطاقة الجزائري، أعلنت السلطات، الأحد، إقالة الرئيس التنفيذي لشركة “سوناطراك” رشيد حشيشي وتعيين نور الدين داودي خلفاً له، ليصبح المدير الثاني عشر الذي يتولى قيادة عملاق الطاقة الإفريقي خلال خمسة عشر عاماً فقط — رقم يعكس حجم التحولات والتحديات التي يعيشها هذا القطاع الاستراتيجي.

تغيير في القيادة وسط تحولات كبرى

وجاء القرار بمرسومين رئاسيين مؤرخين في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بحسب بيان صادر عن وزارة المحروقات والمناجم الجزائرية.
وجرت مراسم التنصيب بمقر الشركة في العاصمة الجزائرية، بحضور وزير المحروقات محمد عرقاب وعدد من القيادات والكوادر البارزة في قطاع النفط والغاز.

وفي كلمته، أوضح عرقاب أن هذا التعيين يأتي في إطار “ديناميكية جديدة يشهدها قطاع المحروقات والمناجم”، ترجمةً للرؤية الاستراتيجية للرئيس عبد المجيد تبون، الرامية إلى تعزيز مكانة الجزائر كمزود موثوق للطاقة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب من “سوناطراك” الانخراط في مسار مؤسسي أكثر انفتاحاً وابتكاراً، خاصة مع التحولات العالمية المتسارعة نحو الطاقات النظيفة والانتقال الطاقوي، مؤكداً أن المجمع سيظل “القلب النابض للاقتصاد الوطني وركيزة الأمن الطاقوي للبلاد”.

من هو نور الدين داودي؟

يُنظر إلى نور الدين داودي كأحد الكفاءات البارزة في الصناعة البترولية الجزائرية.
فقد شغل خلال مسيرته الطويلة مناصب محورية، أبرزها رئاسة وكالة تثمين موارد المحروقات بين عامي 2020 و2024، وهي هيئة حكومية تشرف على مراقبة وتنظيم أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتطوير في مجالي النفط والغاز.

ويمتلك داودي خبرة تمتد إلى أكثر من 32 عاماً في ميدان استكشاف المحروقات، إلى جانب مهارة عالية في إدارة المشاريع الكبرى والتفاوض على الشراكات الدولية، بحسب ما أوردته وسائل إعلام محلية.
ويرى مراقبون أن اختياره يعكس توجهاً نحو تعزيز الكفاءة التقنية والحوكمة الحديثة داخل الشركة، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة من الإصلاح الاقتصادي.

إرث ثقيل وسجل من التغييرات المتكررة

تعد سوناطراك، التي تأسست عام 1963، أكبر مؤسسة اقتصادية في إفريقيا والعالم العربي، وتتحكم في أكثر من 95٪ من صادرات الجزائر من النفط والغاز.
ورغم ثقلها الاقتصادي، فإنها شهدت خلال العقدين الأخيرين تغييرات متلاحقة في إدارتها العليا، إذ تعاقب عليها 12 رئيساً تنفيذياً منذ عام 2010، ما يعكس مزيجاً من التحولات السياسية والضغوط الاقتصادية التي واجهها القطاع.

وكان رشيد حشيشي قد تولى المنصب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 خلفاً لتوفيق حكار، الذي قاد الشركة من فبراير/شباط 2020 حتى إقالته، وسط ظروف معقدة فرضتها الحرب في أوكرانيا وتقلّبات أسعار الطاقة العالمية.

سوناطراك في قلب المعادلة الإفريقية

تحافظ “سوناطراك” على موقعها الريادي في القارة الإفريقية، إذ تصدرت عام 2022 قائمة “أفضل 500 مؤسسة إفريقية” التي تصدرها مجلة جون أفريك الفرنسية.
كما تشكّل الشركة ذراع الجزائر الاقتصادية الخارجية، من خلال مشاريعها في أوروبا وإفريقيا، وشراكاتها مع كبرى الشركات العالمية مثل إيني الإيطالية وتوتال إنرجي الفرنسية وشل البريطانية.

آفاق المرحلة المقبلة

يرى محللون أن تعيين داودي يأتي في لحظة حاسمة، حيث تسعى الجزائر إلى تنويع أسواقها الطاقوية، وتثبيت موقعها كمصدر رئيسي للغاز نحو أوروبا، مع الحفاظ على توازن علاقاتها بين شركائها التقليديين في الغرب وحلفائها الجدد في آسيا وإفريقيا.

ويُتوقع أن تكون أولويات الرئيس التنفيذي الجديد هي تسريع مشاريع التنقيب وتطوير البنية التحتية الطاقوية، مع التركيز على الحوكمة والشفافية داخل المؤسسة، وتحسين قدرتها التنافسية في ظل بيئة طاقوية عالمية تتجه بسرعة نحو التحول المستدام.

وبينما يُنظر إلى هذا التغيير كجزء من “التحديث الطبيعي” للمؤسسة، يرى آخرون أنه يعكس بحث الجزائر عن نموذج قيادة قادر على الموازنة بين الواقعية الاقتصادية والطموح الاستراتيجي، في وقت تسعى فيه البلاد لتأكيد حضورها كقوة طاقوية كبرى في إفريقيا والمتوسط.

اقرأ أيضا