قراءة نقدية في تقرير مجلة Military Watch الأمريكية
نشرت مجلة Military Watch الأمريكية مؤخراً تقريراً بعنوان: “الجزائر الدولة العربية الوحيدة التي لا تستطيع إسرائيل والغرب قصفها”. هذا العنوان المثير للانتباه يوحي للوهلة الأولى بأن الجزائر قد حققت موقعاً استراتيجياً فريداً يجعلها بمنأى عن تهديدات الناتو أو الاعتداءات الإسرائيلية. غير أن قراءة معمقة لمثل هذه الخطابات الإعلامية الغربية تكشف عن أبعاد أخرى تتجاوز ظاهرها.
1. منطق الطمأنة قبل الغدر
الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون تاريخاً طويلاً في استخدام استراتيجية “التطمين الإعلامي” قبل الإقدام على خطوات عدائية.
•الحالة الإيرانية: واشنطن منحت طهران أكثر من مهلة في ملفها النووي، وبعثت رسائل إعلامية توحي بإمكانية التسوية، ثم نسّقت مع إسرائيل لتنفيذ ضربات جوية مباغتة ضد مواقع حساسة قبل انتهاء تلك المهل.
•الحالة الفلسطينية (حماس في الدوحة): الوفد المفاوض تلقى رسائل مطمئنة من الوسطاء، لكن سرعان ما تبين أن تلك التطمينات كانت غطاءً لعملية عسكرية منسقة، الأمر الذي جعل الثقة السياسية تنهار.
إذن، حين يقول الإعلام الأمريكي إن “الجزائر آمنة من القصف”، فإن هذه الرسالة لا تعكس بالضرورة حقيقة استراتيجية، بل قد تكون جزءاً من خطاب تضليلي يهدف لإرخاء الحذر.
2. ما وراء السردية الأمريكية
الإشادة بالمنظومة الدفاعية الجزائرية –سواء عبر مقاتلات المتطورة التي يمتلكها الجيش الجزائري أو شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات– تحمل بُعداً سياسياً خطيراً. فالغرب لا يمنح خصومه شهادات قوة مجانية. ما يفعله عادة هو “التضخيم مناعة الخصم” تمهيداً لإيجاد مبرر لاحق لإضعافه أو استهدافه عبر أدوات أخرى:
•الاختراق السياسي: محاولات التأثير على القرار الجزائري من خلال بوابة الزيارات المختلفة لمسؤولين أمريكيين كبار او من خلال الاقتصاد أو الطاقة.
•التطويق الإقليمي: عبر تحالفات تستهدف محاصرة الجزائر، مثل الشراكة المغربية–الإسرائيلية المدعومة خليجياً.
•الحرب الإعلامية: تصوير الجزائر كقوة “خارج نطاق العقاب” لإيجاد رأي عام غربي يعتبر ضربها لاحقاً أمراً “مبرراً” حين يجيء وقته.
3. الجزائر بين الردع العسكري والاستهداف غير المباشر
صحيح أن الجزائر تملك مقومات ردع عسكرية مهمة تجعل أي مغامرة عسكرية مباشرة ضدها محفوفة بالمخاطر، لكن الغرب أثبت أنه لا يعتمد على الوسائل العسكرية وحدها. الاستنزاف الاقتصادي، الضغوط الدبلوماسية، إثارة الأزمات الداخلية، والتلاعب بسوق الطاقة كلها أدوات قد تكون أكثر فاعلية من “القنابل”.
4. الخلاصة: لا حصانة مطلقة
التقرير الأمريكي قد يبدو للبعض إشادة بقوة الجزائر، لكنه في جوهره قد يكون رسالة مضللة هدفها إدخال الجزائر في حالة من الاطمئنان المبالغ فيه. التاريخ علمنا أن واشنطن وتل أبيب لا عهد لهما، وأن ما يُقال في الإعلام ليس إلا جزءاً من عملية خداع إستراتيجي تسبق عادة خطوات أكثر عدائية.
وعليه، فإن الرد الأمثل على مثل هذه المقالات ليس الافتخار بها، بل قراءتها كجرس إنذار بضرورة اليقظة المستمرة، سواء عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو إجتماعياً.