التصعيد الصهيوني الشامل (غزة، الضفة، سوريا، لبنان) وتحديات الصمود العربي والقضية الفلسطينية
يمثل التصعيد الإسرائيلي الراهن على قطاع غزة والضفة الغربية، وامتداده إلى جبهتي لبنان وسوريا، محاولة مكشوفة لاستغلال الظرف الإقليمي والدولي لتنفيذ مخططات استراتيجية تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وفرض هيمنة دائمة على المشرق العربي. هذا التصعيد هو حلقة جديدة في سلسلة بدأت بالاستيلاء على الأرض عام 1948، وهي تستهدف اليوم تقويض أي أفق لحل عادل ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
أولاً: أبعاد المخطط الاستراتيجي لتصفية القضية
يمكن رؤية العمليات العسكرية الحالية للإحتلال كامتداد لمشروع بدأ منذ النكبة، ويقوم على ثلاث ركائز استراتيجية:
1. التهجير القسري وتدمير الوجود الفلسطيني (غزة): الهدف الأقصى في غزة ليس أمنياً بالضرورة بقدر ما هو تغيير ديموغرافي وجغرافي. تدمير البنية التحتية والمنازل والمشافي بشكل ممنهج يهدف إلى جعل القطاع غير صالح للحياة، ومن ثم دفع سكانه نحو التهجير القسري، ما يشكل نكبة ثانية وخطراً وجودياً على حق العودة.
2. الضم الزاحف وفرض الأمر الواقع (الضفة الغربية): يتزامن التصعيد مع تصاعد غير مسبوق في عنف المستوطنينوالاقتحامات العسكرية الواسعة، وهي أدوات لتقطيع أوصال الضفة وتقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين. هذا يمثل استكمالاً لمخطط الاستيلاء على الأراضي الذي بدأ عام 1948، ويهدف إلى قتل أي فرصة لقيام دولة فلسطينية على حدود 1967.
3. عزل وتفكيك محور المقاومة: تستهدف الغارات على لبنان وسوريا إضعاف القوى الإقليمية الداعمة للقضية الفلسطينية. يهدف هذا الضغط إلى تشتيت الجهود العربية والإقليمية، وعزل الفلسطينيين في غزة والضفة، ومنع تشكيل جبهة موحدة قادرة على دعم الصمود الفلسطيني.
ثانياً: تحديات الصمود وآليات المواجهة العربية
يضع هذا العدوان الشامل دول المشرق العربي والقضية الفلسطينية أمام تحديات مصيرية تتطلب استجابة استراتيجية:
• 1. صمود غزة.. قلب القضية: إن صمود الشعب الفلسطيني في غزة أمام آلة الحرب والتدمير هو خط الدفاع الأولعن القضية الفلسطينية. أي نجاح في فرض التهجير أو القضاء على الوجود الفلسطيني في القطاع يعني انتكاسة استراتيجية لا يمكن تعويضها للمشروع الوطني الفلسطيني.
• 2. إنقاذ الضفة من الضم: يجب أن تركز الجهود العربية على حماية الضفة الغربية من الاستيلاء التدريجي. يتطلب ذلك الدعم المالي والسياسي العاجل لتعزيز صمود السكان في مناطق التماس ووقف عنف المستوطنين الذي يعمل كذراع غير رسمي للاحتلال.
• 3. تفعيل الدبلوماسية العربية الموحدة: يجب على الدول العربية توحيد خطابها في المحافل الدولية (الأمم المتحدة، مجلس الأمن) للضغط لوقف فوري للعدوان، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية على جرائم الحرب المرتكبة منذ بدء التصعيد.
ثالثاً: تعزيز العمق الاستراتيجي للمشرق العربي
لا يمكن للقضية الفلسطينية أن تصمد بمعزل عن قوتها العربية والإقليمية. يتطلب الوضع الحالي ما يلي:
• أ. رفض التطبيع تحت النار: يجب على الدول العربية التي لديها علاقات مع الاحتلال أن تستخدم هذه العلاقات للضغط، أو تجميدها على الأقل، للتأكيد على أن القضية الفلسطينية هي البوصلة، وأن أي تطبيع لا يمكن أن يتم على حساب تصفية حقوق الشعب الفلسطيني.
• ب. دعم إعادة الإعمار الشامل: يجب أن تلتزم الدول العربية بإنشاء صندوق إقليمي ضخم وفوري لإعادة إعمار غزة، ليس فقط البنية التحتية، بل أيضاً دعم البنية الاجتماعية والتعليمية والصحية لضمان بقاء وتجذر السكان.
• ج. تحييد النفوذ المعادي: يتطلب الوضع الإقليمي تنسيقاً عربياً أكبر للحد من التدخلات الخارجية التي تستهدف تفكيك الدول العربية المحيطة، وخاصة سوريا ولبنان، لضمان بقائها كعمق استراتيجي للقضية الفلسطينية.
إن التصعيد الصهيوني الحالي هو لحظة مفصلية حقيقة للمشروع العربي والقضية الفلسطينية، فحماية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وضمان عدم تكرار نكبة التهجير، هو الركيزة الأساسية لأمن واستقرار المشرق العربي بأكمله، وهو استحقاق تاريخي يمتد جذوره إلى عام 1948.