لم تعد إصلاحات الإدارة المحلية في الجزائر تحتمل الاكتفاء برقمنة الإجراءات أو إنشاء منصات إلكترونية جديدة. التحدي أعمق من ذلك بكثير وهو بناء إدارة محلية قادرة على اتخاذ القرار، وتملك في الوقت نفسه نظاماً واضحاً للمساءلة.
الجزائر بلد ما شاء الله شاسع ومتعدد الخصوصيات، ومشكلات البلديات تختلف باختلاف مناطقها. فما يصلح لمدينة ساحلية قد لا يصلح لمنطقة صحراوية أو جبلية أو فلاحية. لذلك تحتاج الإدارة المحلية إلى هامش حقيقي للمبادرة، بدلاً من انتظار حلول موحدة تأتي من المركز.
واللامركزية ليست خروجاً عن منطق الدولة، بل مبدأ دستوري واضح.
فالدستور الجزائري يعتبر البلدية والولاية جماعتين إقليميتين للدولة، ويجعل المجالس المنتخبة قاعدة للامركزية ومشاركة المواطنين في تسيير شؤونهم العامة.
غير أن الفجوة بين هذا المبدأ والممارسة ما زالت قائمة. وقد أقرت وزارة الداخلية بأن مسار اللامركزية لم يكتمل، وأن الجماعات المحلية تحتاج إلى هامش أكبر في التسيير. كما تشير دراسة أكاديمية حديثة إلى استمرار تأثير الوصاية وتعدد مستويات الرقابة، وتدعو إلى الانتقال من الرقابة المسبقة إلى الرقابة على النتائج.
هذه الوضعية ساهمت في نشوء سلوك إداري أصبح مألوفاً حيث أصبح المسؤول يفضل انتظار التعليمات على تحمل مسؤولية المبادرة.
فعندما يصبح الاجتهاد في القرار مصدراً محتملاً للمساءلة وربما يدخل السجن، بينما يبدو الانتظار أكثر أماناً، تتراجع روح المبادرة حتى لدى المسؤول الكفء. ولا يمكن معالجة ذلك بمجرد مطالبة المسؤول بالشجاعة، فالمبادرة تحتاج إلى صلاحية واضحة، والصلاحية يجب أن تقابلها مساءلة واضحة.
من هنا تبدأ فكرة «البلدية الذكية».
فالبلدية الذكية ليست بلدية تملك أجهزة وتطبيقات أكثر، وإنما بلدية تعرف ما يحدث فيها، وتمتلك البيانات والمعلومات التي تساعدها على اتخاذ القرار، وتتابع خدماتها ومشاريعها، وتضع نتائج عملها أمام المواطن.
يمكن للتكنولوجيا أن توفر للمسؤول خريطة دقيقة للطرقات والمرافق والنفايات والإنارة والمشاريع، وأن تمنح المواطن وسيلة للإبلاغ عن المشكلات ومتابعة معالجتها. كما يمكن أن تصبح تكاليف المشاريع وآجالها ونسب إنجازها متاحة بصورة واضحة.
عندها لا تعود التكنولوجيا مجرد وسيلة لتسريع الإدارة، بل تصبح أداة للشفافية والمساءلة وبناء الثقة.
وتؤكد تجارب مدن مثل سيول في كوريا الجنوبية وبرشلونة الإسبانية أن التكنولوجيا تكون أكثر فاعلية عندما ترتبط بإدارة محلية تستخدم البيانات وتتيح للمواطن المشاركة والمتابعة. لكن الجزائر لا تحتاج إلى استنساخ هذه التجارب، بل إلى بناء نموذج يناسب واقعها وخصوصياتها.
وهنا تتضح المقاربة حيث تضع الدولة القواعد والمعايير، والمجالس المحلية تختار الحلول المناسبة لواقعها، والتكنولوجيا توفر المعلومات، والرقابة تحاسب على النتائج.
بهذه المعادلة يمكن أن تتحول الانتخابات المحلية أيضاً من منافسة على الوعود إلى منافسة على جودة الإدارة والنتائج القابلة للقياس. ويصبح المواطن قادراً على تقييم منتخبيه على أساس ما أنجزوه، لا ما وعدوا به.
إن إصلاح الإدارة المحلية لا يبدأ من شراء التكنولوجيا، بل من تحرير المبادرة المحلية ضمن القانون.
فالجزائر لا تحتاج إلى مسؤول يخشى القرار، ولا إلى مسؤول يملك صلاحيات بلا مساءلة. إنها تحتاج إلى مسؤول يعرف مشكلات منطقته، ويملك الأدوات والصلاحيات لمعالجتها، ويدرك أن نجاحه أو فشله سيقاس بالنتائج.
وهنا تحديداً تبدأ البلدية الذكية: عندما ننتقل من إدارة تنتظر التعليمات إلى إدارة تملك المعلومة، وصلاحية القرار، ومسؤولية النتيجة.
#الأستاذ_الصادق_أمين