الإعدام لمشعلي الحرائق: عندما يتحول الاعتراض على العقوبة إلى تمويه سياسي
أثار توجيه رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون بإعداد تعديل لقانون العقوبات لإقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ بحق من يتعمدون إضرام حرائق الغابات، نقاشاً واسعاً في الجزائر. وبينما يرى كثيرون أن العقوبة أصبحت ضرورية أمام حجم الكارثة التي عرفتها البلاد، سارعت بعض التيارات السياسية والحقوقية إلى رفضها، بدعوى الخوف من إساءة استعمال عقوبة الإعدام وتوظيفها ضد المعارضين السياسيين.
هذا التخوف، من حيث المبدأ، يمكن فهمه عندما يتعلق الأمر بقوانين فضفاضة تترك مجالاً واسعاً للتأويل. لكن هل ينطبق ذلك على الحالة المطروحة؟
القانون لا يحاكم الأفكار السياسية، بل يحدد فعلاً إجرامياً محدداً.
المقصود هنا ليس المعارض السياسي، ولا الصحفي، ولا الناشط، ولا صاحب الرأي المخالف. المقصود هو الشخص الذي تثبت أمام القضاء مسؤوليته عن إضرام النار عمداً في الغابات. وبالتالي فإن القفز مباشرة من مناقشة عقوبة مشعلي الحرائق إلى الحديث عن احتمال استخدامها ضد المعارضين السياسيين يبدو أقرب إلى نقل النقاش من موضوعه الحقيقي إلى موضوع آخر لا علاقة له به.
وإذا كان التخوف هو إساءة استعمال القانون، فالحل ليس رفض العقوبة مسبقاً، وإنما المطالبة بضمانات قضائية صارمة، وتحقيقات مهنية، وأدلة قاطعة، ومحاكمة عادلة، واستنفاد جميع طرق الطعن التي يكفلها القانون. وهذا ما أكده التوجه المعلن بشأن تنفيذ الأحكام بعد استنفاد طرق الطعن.
أما أن نضع مشعل الغابة عمداً في الخانة نفسها مع المعارض السياسي، فهذا خلط لا يخدم النقاش، بل يطرح أسئلة مشروعة حول أسباب هذا الخلط وخلفياته.
فالسياسي يمارس حقاً سياسياً، رغم كل التحفظات التي يمكن أن تثار حول مواقفه، أما من يشعل النار عمداً في غابة وسط ظروف مناخية قاسية، وهو يعلم أن النيران قد تمتد إلى القرى والمنازل وتقتل الأبرياء وتحرق المواشي وتدمر الثروة الغابية، فهو يرتكب فعلاً إجرامياً مادياً يمكن إثباته أو نفيه أمام القضاء.
وهنا يجب أن نكون واضحين: الدفاع عن سيادة القانون لا يعني رفض العقوبات القاسية، وإنما يعني تطبيقها على من تنطبق عليهم شروط القانون، وعدم تطبيقها على من لا تنطبق عليهم.
والمفارقة أن بعض الأصوات التي تقول إنها تخشى على سيادة القانون من عقوبة الإعدام، لا تبدو دائماً مستعدة للحديث بالوضوح نفسه عن حق المجتمع في حماية أرواح أبنائه وثرواته من الجرائم الخطيرة والمنظمة.
فإذا كان القانون سيحدد الفئات والجرائم والأفعال التي تستوجب العقوبة، فما علاقة ذلك بالمعارضة السياسية؟
وإذا كان هناك خوف حقيقي من توظيف القانون سياسياً، فليكن النقاش حول ضمان استقلال القضاء، ونزاهة التحقيقات، ووضوح النصوص القانونية، وصرامة شروط الإثبات؛ لا حول تصوير كل تشديد للعقوبات على المجرمين وكأنه مقدمة لقمع المعارضين.
والأمر نفسه ينطبق على الحرب على بارونات المخدرات والجريمة المنظمة. فالدولة عندما تشدد العقوبات وتعمل على عزل كبار المجرمين عن شبكاتهم، فهي لا تعاقب «أصحاب رأي»، وإنما تواجه أشخاصاً خطيرين متهمين أو مدانين بجرائم محددة وفق القانون.
لقد كشفت الحرائق الأخيرة التي طالت العديد من الولايات الجزائرية أن القضية ليست مجرد أشجار تحترق. نحن نتحدث عن زهق أرواح بشرية، وتدمير قرى ومساكن، ونفوق مواشٍ، وخسارة موارد طبيعية وثروة غابية تراكمت عبر عقود.
وقد أعلنت السلطات الجزائرية رسمياً عن سقوط قتلى وجرحى، وكانت ولاية جيجل من أكثر المناطق تضرراً.
لذلك من الطبيعي أن يطالب المجتمع بعقوبة تتناسب مع خطورة الفعل، خصوصاً عندما يكون الحريق متعمداً.
المعارضة السياسية حق، وإشعال الغابات جريمة.
الخلط بين الاثنين لا يحمي الديمقراطية ولا يطورها، بل يشتت النقاش ويصرف الأنظار عن السؤال الحقيقي: كيف نحمي الجزائريين وثرواتهم من المجرمين الذين يتعمدون تحويل النار إلى سلاح؟
وليس هذا التخوف افتراضياً تماماً. فقد أظهرت التحقيقات التي أعقبت جريمة حرق الشاب جمال بن إسماعيل في أغسطس 2021، وما تبعها من محاكمات، ارتباط عدد من المتورطين بحركة «الماك» التي تصنفها السلطات الجزائرية حركة إرهابية. وقد كشفت التحقيقات والمحاكمات آنذاك عن قضية بالغة الخطورة تجاوزت حدود الجريمة الفردية إلى ارتباطات ذات طابع تنظيمي وإرهابي.
ولهذا فإن من حق المواطنين أن يطالبوا بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتطبيق القانون عليه بأقصى درجات الصرامة التي يقررها القضاء.
لذلك، يجب أن ينصبّ النقاش على حق المجتمع في الحماية، وواجب الدولة في الحفاظ على الأرواح والممتلكات، والتطبيق الصارم للقانون، لا على جرّ النقاش إلى مواضيع أخرى لا علاقة لها بهذا المستجد في الساحة الجزائرية.