أثر الصراع “الفلسطيني- الإسرائيلي” على استقرار المشرق العربي(تحوّلات مركزية القضية الفلسطينية في سياق إقليمي مأزوم)
تشهد منطقة الشرق الأوسط أواخر عام 2025 حالة متصاعدة من الغليان السياسي والأمني، ترتبط بصورة مباشرة بتعثّر المسارات الدبلوماسية، ودخول الحرب في غزة والضفة الغربية مرحلة جديدة من استنزاف طويل الأمد. اذ بات من غير الممكن قراءة هذا التصعيد المتواصل بوصفه مواجهة عسكرية محدودة أو نزاعًا ظرفيًا، وهو في اصل الصراع يمثل امتدادًا لبنية كفاحية ضد الاحتلال الصهيوني المدنس للشعائر الدينية والمعتدي على الارض الفلسطينية وعلى القوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية، هذه الإشكالية باتت الان أحد الأعمدة الرئيسية لحالة عدم الاستقرار التي تضرب المشرق العربي حتى اليوم.
في هذا السياق الزمني، تكشف الأحداث الجارية أن القضية الفلسطينية تؤدي وظيفة تتجاوز بعدها الوطني المباشر، إذ باتت مرآة تعكس اختلال النظام الإقليمي العربي، وعجزه البنيوي عن إنتاج استراتيجية ردع فاعلة أو موقف سياسي مستقل. فالتصعيد العسكري المتكرر للكيان الصهيوني، وما يرافقه من دمار واسع وخسائر بشرية جسيمة، يعيد طرح السؤال الجوهري حول العلاقة بين استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، واستدامة التوترات الإقليمية في المشرق العربي سيما المناطق المجاورة سوريا، ولبنان.
لا يمكن فصل استقرار المشرق العربي عن مسار القضية الفلسطينية، كون استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية – منذ نكبة 1948 – تأسيسيًا لمرحلة كاملة من الاختلال البنيوي في المنطقة. فقد أُقيم كيان استيطاني بالقوة، خارج منطق الاحقية التاريخية للقومية الفلسطينية، فيما جرى تكريسه لاحقًا عبر موازين قوة دولية منحازة، ما أدّى إلى ترسيخ واقع يُكافَأ فيه العدوان وتُدان فيه الضحية.
في موازاة ذلك، شهد النظام العربي الرسمي خلال العقود الأخيرة، سيما منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تراجعًا حادًا في قدرته على الفعل الجماعي. فقد باتت معظم الأنظمة العربية واقعة تحت تأثير مباشر أو غير مباشر للولايات المتحدة والدول الأوروبية، سواء عبر منظومات الدعم الأمني، أو الارتباطات الاقتصادية، أو اشتراطات “الاستقرار” التي تُفرَض كبديل عن السيادة. وهو الواقع الذي قيّد القرار العربي، وجعل التعامل مع القضية الفلسطينية محكومًا بسقوف سياسية منخفضة، لا تتجاوز ما تسمح به الولايات المتحدة الامريكية وشركاؤها الغربيون.
ضمن هذا الإطار، تآكلت الوحدة العربية التي تشكّلت تاريخيًا في مواجهة المشروع الصهيوني. لم تعد فلسطين نقطة إجماع استراتيجي، بل تحوّلت إلى ملف يُدار بشكل منفصل عن منظومة الأمن القومي العربي، أو يُستَحضر انتقائيًا وفق اعتبارات داخلية وخارجية. بحيث أسهم هذا التفكك في إضعاف القدرة العربية على التأثير، وترك الفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع قوة احتلال مدعومة سياسيًا وعسكريًا من الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
أما على مستوى المفاوضات، فإن المسار الذي شهدته السنوات الأخيرة، وصولًا إلى أواخر 2025، يعكس بوضوح حالة الإفلاس السياسي التي أصابت عملية التسوية. فالمفاوضات السابقة التي تلت الحرب في غزة والضفة الغربية، سواء عبر وساطات إقليمية أو رعاية دولية، انحصرت في إدارة التداعيات الإنسانية والأمنية: وقف إطلاق نار هش، تبادل أسرى، إدخال مساعدات، دون أي مقاربة جادة لجذور الصراع، ليفقد هذا المسار مضمونه هو الاخر تماما كما تلاشى ما تبقّى من اتفاقات أوسلو، وتحويلها إلى إطار شكلي يبرّر استمرار الأمر الواقع.
وبمنظور اعمق يجرى اختزال القصية الفلسطينية في بعدها الإنساني، وفصلها عن بعدها السياسي والقانوني. وبدل أن تكون المفاوضات وسيلة لإنهاء الاحتلال، أصبحت أداة لاحتواء الانفجارات ومنع تمدّدها إقليميًا، بما يخدم استقرار النظام الدولي القائم، لا حقوق الشعب الفلسطيني.
انعكست هذه التحوّلات بصورة مباشرة على استقرار المشرق العربي. فغياب حل عادل وشامل، واستمرار الاحتلال، وتراجع الدور العربي المستقل، كلها عوامل غذّت بيئة التوتر، وفتحت المجال أمام فاعلين من غير الدول، ورسّخت منطق الصراعات الممتدة. وهكذا، لم تعد القضية الفلسطينية عامل توحيد كما كانت في مراحل تاريخية سابقة، بل صارت، بفعل سوء إدارتها عربيًا ودوليًا، أحد مسارات تفكك الإقليم.
انما يرتبط هذا المشهد ارتباطًا وثيقًا باستمرار إنكار الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني في أرضه التي استولى عليها الاحتلال منذ نكبة 1948. وهو الانكار والتغاضي الذي لم يؤسس فقط لصراع مفتوح، بل أنتج نظامًا إقليميًا هشًا، تُدار فيه الأزمات تحت مسميات “الواقعية السياسية” و“توازنات القوة”، بدل ايجاد حلول جذرية تعيد حق الفلسطينيين بما قاوموا وناضلوا حاملين راية الحرية والكرامة، ونتيجة الإصرار الدولي على حماية واقع الاحتلال.، تحوّلت فلسطين إلى بؤرة توتر دائمة.
خلاصة المرحلة الراهنة، كما تتبدّى في أواخر سنةً2025، تؤكد أن استقرار المشرق العربي سيبقى رهينة استمرار الاحتلال الصهيوني، بينما يبقى هذا المشروع عاجزا عن التحقق في ظل نظام إقليمي منقسم، وأنظمة محدودة السيادة، ومقاربات دولية تُقدّم إدارة الصراع على إنهائه. فيما تبقى إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرّر وطني، والاعتراف الصريح بأحقية الفلسطينيين في أرضهم من النهر إلى البحر المدخل الوحيد لأي تصور واقعي لاستقرار إقليمي عربي مستدام.